د. مالك ثويني/مستشار دولي في انظمة المؤهلات والسياسات الاستراتيجية
في لحظات التحول الكبرى من التاريخ، لا تسقط الدول لأنها فقيرة، ولا تتراجع لأنها تفتقر إلى الإمكانات، بل لأنها تستمر في إدارة واقع جديد بأدوات قديمة. فالمشكلة الحقيقية التي واجهت كثيراً من الأمم لم تكن في نقص الموارد، بقدر ما كانت في عجز النظم الإدارية والفكرية عن مواكبة التحولات التي أعادت تشكيل العالم من حولها. ولعل العراق يقف اليوم أمام واحدة من هذه اللحظات التاريخية.
فخلال العقد القادم، سيواجه العراق مجموعة من التحولات المتزامنة التي لم يسبق أن اجتمعت بهذا الحجم والتعقيد في تاريخه الحديث. فعدد السكان سيتجه نحو مستويات غير مسبوقة، والأغلبية الساحقة ستكون من فئة الشباب، وسوق العمل سيحتاج إلى استيعاب ملايين الداخلين الجدد. وفي الوقت نفسه، تتغير طبيعة الاقتصاد العالمي بصورة متسارعة مع صعود الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي، فيما تتجه الدول الكبرى إلى تقليل اعتمادها التدريجي على الوقود الأحفوري وبناء اقتصادات أكثر تنوعاً واستدامة.
وفي البيئة الإقليمية، تشهد المنطقة إعادة رسم لخرائط التجارة والطاقة والنقل. فالممرات الاقتصادية الجديدة، وسلاسل الإمداد العالمية، والاستثمارات العابرة للحدود، والمنافسة على المواقع اللوجستية؛ كلها تعيد تعريف قيمة الجغرافيا. ولم تعد أهمية الموقع الجغرافي تُقاس بمجرد وقوعه بين الشرق والغرب، بل بقدرة الدولة على تحويل هذا الموقع إلى شبكة من المصالح الاقتصادية والاستراتيجية.
وفي الوقت نفسه، تتعرض الموارد المائية لضغوط متزايدة، وتتوسع المدن بوتيرة أسرع من قدرة البنية التحتية على مواكبتها، وتزداد المنافسة الإقليمية على الاستثمار ورأس المال البشري والتكنولوجيا. هذه التحولات لا تمثل تحديات منفصلة، بل تشكل معاً بيئة جديدة بالكامل. ولذلك، فإن السؤال الحقيقي الذي يواجه العراق ليس كيف يدير واقعه الحالي، بل كيف يستعد لواقع مختلف تماماً خلال السنوات القادمة.




