back to top
المزيد

    أوبك والجغرافيا السياسية للتشرذم: مستقبل حوكمة النفط

    بهروز جعفر / حاصل على دكتوراه في العلاقات الاقتصادية الدولية، وصحفي وباحث كردي. عمل في المجالين الصحفي والبحثي لمدة 19 عاماً، ويكتب بصورة رئيسية في مجالات أمن الطاقة، وجيوسياسة الطاقة، والأمن الإقليمي، والأوضاع غير المستقرة في العراق. وهو مؤسس ورئيس مؤسسة المتوسطي للدراسات الإقليمية

    يمثل انسحاب دولة الإمارات العربية المتحدة من منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك)، اعتباراً من 1 أيار/مايو 2026، أكثر من مجرد تحول تقني في سياسة إنتاج النفط. ففي حين ركزت التغطية الإعلامية بصورة كبيرة على قدرة الإمارات على زيادة إنتاجها «بشكل مستقل» من نحو 3.4 ملايين برميل يومياً إلى 5 ملايين برميل يومياً بحلول عام 2027، فإن هذا القرار يعكس تحولات أعمق وأوسع نطاقاً في بنية الطاقة العالمية وفي المشهد الجيوسياسي المتغير في منطقة الخليج.

    ويثير هذا التطور تساؤلات استراتيجية أوسع بشأن الدور التاريخي لمنظمة أوبك، ومستقبل إدارة النفط، والمكانة المتغيرة لمنتجي الطاقة في الخليج. وتسعى هذه الدول إلى إعادة تعريف أدوارها ضمن نظام دولي يتجه بصورة متزايدة نحو التشرذم. ومع تسارع الجهود العالمية لإزالة الكربون، يستمر الطلب على الوقود الأحفوري، ولا سيما النفط والغاز الطبيعي، في النمو، خصوصاً في الأسواق الآسيوية. ونتيجة لذلك، يظل الخليج العربي ركيزة أساسية لأمن الطاقة العالمي، رغم استمرار سياسات التحول في قطاع الطاقة، بما يشمل الانتقال التدريجي من النفط والغاز إلى الطاقة المتجددة، إلى جانب جهود التنويع الاقتصادي.

    ولطالما شكّلت التوترات الجيوسياسية العامل الأكثر تأثيراً في استقرار أسواق الطاقة العالمية. وقد انعكس تصاعد التوترات والصراعات بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة بصورة مباشرة على الاستراتيجيات الاقتصادية لدول الخليج. كما كشف إغلاق مضيق هرمز خلال الحرب عن هشاشة سلاسل إمداد الطاقة العالمية، إذ يمر عبر هذا الممر المائي ما يقرب من ربع صادرات النفط الخام المنقول بحراً، ونحو 20% من صادرات الغاز الطبيعي المسال عالمياً

    وفي حين تمتلك السعودية والإمارات العربية المتحدة مسارات تصدير بديلة محدودة، لا تزال دول، مثل قطر والكويت والبحرين، تعتمد بدرجة كبيرة على مضيق هرمز.

    وبعيداً عن قطاع الطاقة، يؤثر عدم الاستقرار الإقليمي أيضاً في جهود التنويع الاقتصادي الأوسع في منطقة الخليج. وقد تصاعدت المخاوف الأمنية نتيجة الحرب الإيرانية – الإسرائيلية – الأمريكية، التي تسببت في اضطرابات كبيرة في قطاعي الطيران والسياحة، وهما من القطاعات التي تعتمد عليها دول الخليج بصورة متزايدة ضمن استراتيجياتها الاقتصادية لمرحلة ما بعد النفط.

    وتشير التوقعات إلى أن الشرق الأوسط قد يستقبل ما بين 23 و38 مليون زائر دولي أقل خلال عام 2026، أي بانخفاض يُقدَّر بنحو 11% إلى 27%. ونتيجة لذلك، قد تخسر المنطقة ما بين 34 و56 مليار دولار سنوياً من الإنفاق المرتبط بالسياحة وحدها. كما تشير تقديرات حديثة إلى أن الصراع تسبب في خسائر يومية لقطاع السفر والسياحة في الشرق الأوسط تُقدَّر بنحو 515 مليون يورو خلال الفترة الممتدة من فبراير/شباط 2026 إلى مايو/أيار من العام نفسه

    وتوضح هذه التطورات كيف يهدد عدم الاستقرار الجيوسياسي ليس أمن الطاقة فحسب، بل أيضاً أجندات التحول الاقتصادي طويلة الأمد في منطقة الخليج. فعلى سبيل المثال، شكّلت الحرب تهديداً مباشراً لشبكات الكهرباء في المنطقة، إذ كان العراق يأمل في استيراد ما بين 500 و600 ميغاواط من الكهرباء من الكويت بحلول عام 2026.

    وعلى الصعيد الاقتصادي، أصبحت صناديق الثروة السيادية الخليجية، التي تدير مجتمعة أصولاً تُقدَّر بنحو 5 تريليونات دولار، أداة رئيسية في استراتيجيات التنويع الاقتصادي. وتعكس الاستثمارات في التقنيات المتقدمة، والذكاء الاصطناعي، والطاقة المتجددة، والشراكات الصناعية، جهود دول الخليج لتقليل اعتمادها طويل الأمد على عائدات النفط والغاز، التي باتت بدورها تواجه تحديات متزايدة

    وفي ظل استمرار إغلاق مضيق هرمز، تجادل هذه الورقة البحثية بأن انسحاب الإمارات العربية المتحدة من منظمة أوبك لا ينبغي فهمه بوصفه قراراً سياسياً معزولاً، بل باعتباره جزءاً من تحول أوسع في النظام العالمي للطاقة والبنية الجيوسياسية الدولية. ويشير تراجع تماسك منظمة أوبك، وتزايد الاستقلالية الاستراتيجية لدول الخليج، والضغوط المتصاعدة على نظام البترودولار التقليدي، إلى مرحلة جديدة من إعادة التنظيم الإقليمي والعالمي.

    وبناءً على ذلك، تتناول هذه الورقة البحثية الكيفية التي يسهم بها الصراع الجيوسياسي، وسياسات التحول في مجال الطاقة، والمنافسة متعددة الأقطاب، في إعادة تشكيل الموقع الاستراتيجي لدول الخليج، وحوكمة الطاقة العالمية، فضلاً عن إعادة تعريف ديناميات الأمن الإقليمي في الخليج العربي.

    لقراءة المزيد اضغط هنا