يمثل احتكار العنف الشرعي الركيزة الأساسية في أدبيات العلوم السياسية وسوسيولوجيا الدولة لبناء كيان سياسي مستقر وقادر على فرض سيادته. وفي الحالة العراقية، ما بعد عام 2003، واجهت عملية بناء الدولة تحدياً بنيوياً تمثَّل في “معضلة السلاح” وتعدد مراكز القوة خارج الأطر الرسمية. ولم يكن هذا الانتشار العسكري والاجتماعي للسلاح نتاجَ لحظةٍ عابرة، بل جاء استجابةً لفجوةٍ أمنيةٍ هائلةٍ تسبب بها تقويض المؤسسات العسكرية التقليدية بعد سقوط النظام السابق، مما دفع القوى السياسية والمكونات الاجتماعية إلى إنتاج أدوات دفاعية خاصة لحماية الذات في بيئة تفتقر إلى سيادة القانون.
أنتجت هذه البيئة المعقدة ثلاثة أنماط رئيسية للشرعيات المسلحة في العراق، وهي:
- الشرعية القانونية-الدستورية: تتمثل في المؤسسة العسكرية والأمنية الرسمية (الجيش والشرطة) الخاضعة مباشرةً للوزارات السيادية.
- الشرعية المقاوِمة (العقائدية): نشأت في سياق مقاومة الاحتلال أو مواجهة الهجمة الإرهابية لتنظيم “داعش”، حيث اكتسبت مشروعيتها الوجودية من الفتاوى الدينية والقبول الشعبي.
- الشرعية الهجينة: هي القوى التي تدمج في هويتها بين الصفة الرسمية (التمويل والغطاء القانوني الحكومي) والصفة الأيديولوجية أو الحزبية (الولاء العضوي لقيادات مذهبية أو سياسية).
عانت الدولة العراقية، طوال العقدين الماضيين، من هذا التداخل الوظيفي، إذ تحوَّل السلاح، في محطات كثيرة، من أداةٍ لحماية الأمن القومي إلى ورقة ضغط لترجيح الكِفَّة في التنافس السياسي الداخلي، مما حال دون وصول الدولة إلى مرحلة “الاحتكار الفيبري”) نسبةً إلى ماكس فيبر (للعنف الشرعي.
وفي هذا السياق، لم تكن دعوات حصر السلاح ونزعه وليدةَ اللحظة، بل ظلت مطلباً مستمراً ومتجدداً مع تشكيل كل حكومة، وشهدت مبادراتٍ وتفاعلاتٍ على ثلاثة مستويات رئيسة:
- المستوى الحكومي: من خلال سعي الحكومات المتعاقبة (العبادي، والكاظمي، والسوداني) إلى إخضاع السلاح عبر مراسيم ديوانية تمنع الفصائل من العمل السياسي، وإن ظل التطبيق شكلياً بفعل النفوذ السياسي لهذه القوى داخل البرلمان.
- المستوى الديني (المرجعية الدينية): تمثَّل في مواقفها الحازمة الداعية إلى فرض سلطة الدولة، والتي تجسدت عملياً في خطوة “حشد العتبات”، عندما انفصلت إدارياً وعملياتياً عن هيئة الحشد الشعبي؛ لتكون أكثر التزاماً بالأوامر الرسمية.
- مستوى قادة الفصائل والمقاومة: يشكِّل هذا المستوى محور التحول الراهن، إذ يُظهر تتبع الوثائق والتصريحات الرسمية انقسامَ المشهد إلى مرحلتين فارقتين: مرحلة ما قبل دعوة “التيار الوطني الشيعي”، ومرحلة ما بعدها.
فبينما اتسمت مرحلة ما قبل المبادرة بغياب أي رغبة طوعية لنزع السلاح، والتركيز على التأصيل لبقائه وصناعة المبررات لاستمراره؛ أحدثت مرحلة ما بعد المبادرة فرزاً واضحاً داخل المشهد المسلح، وقسَّمته إلى تيارين.




