back to top
المزيد

    الخدمة الوطنية التنموية: مقاربة تشريعية للتحول من العقيدة العسكرية إلى صناعة رأس المال البشري في عصر اقتصاد المعرفة

    د. سيف ضياء دعير/باحث

    تقف الدول عند مفترقات تاريخية فارقة حين تُعيد تعريف العلاقة بين المواطن والوطن، وبين واجب الخدمة الوطنية ومتطلبات البناء والتنمية، والعراق اليوم، بعد أربعة عقود متصلة من الحروب والأزمات، امتدت من الحرب العراقية-الإيرانية (1980–1988)، مروراً بحرب الخليج الثانية (1990–1991)، والغزو الأمريكي (2003)، وصولاً إلى الحرب على تنظيم داعش الإرهابي (2014–2017)، يجد نفسه أمام لحظة مفصلية تستدعي مراجعة جذرية لمفهوم “خدمة العلم” ومضامينه وآلياته وغاياته. وفي خضم النقاشات التشريعية المتصاعدة داخل أروقة مجلس النواب العراقي حول إعادة تفعيل قانون خدمة العلم بصيغته العسكرية التقليدية، تبرز الحاجة الماسة إلى طرح علمي رصين يتجاوز ثنائية التأييد والرفض إلى فضاء أرحب يُعيد هندسة المفهوم ذاته من جذوره. فالسؤال لم يعد: “هل نُجنّد الشباب أم لا؟”، بل بات: “كيف نُجنّد طاقات الشباب تجنيداً يليق بتحديات القرن الحادي والعشرين، ويُحوّلهم من فائض بشري عاطل إلى رأسمال بشري مُنتج وفاعل؟”. إذ إن هذه الورقة لا تُنكر مبدأ الخدمة الوطنية بوصفه واجباً مقدساً وركيزة من ركائز المواطنة الفاعلة، بل تسعى إلى إعادة تأطيره ضمن رؤية تنموية معاصرة تنطلق من أن خدمة الوطن، في أسمى تجلياتها، تتحقق حين يُسهم المواطن في بناء بلاده وإعمارها وتطوير قدراتها الإنتاجية، لا في مجرد الانتظام في طوابير الثكنات العسكرية في بلد يمتلك أصلاً فائضاً في القوى الأمنية، وعجزاً حاداً في القوى التنموية.

    تنبثق أهمية هذا المسار البحثي من عدة اعتبارات متشابكة تمنحه قيمة علمية وعملية استثنائية، وكما يلي:

    1. الأهمية التشريعية والسياساتية: يأتي هذا البحث في توقيت بالغ الحساسية يتزامن مع المداولات التشريعية الجارية حول مشروع قانون التجنيد الإلزامي، مما يجعله وثيقة مرجعية قادرة على إثراء النقاش البرلماني بطرح بديل مسنود بالحجة العلمية والتجربة الدولية المقارنة، ويُوفر لصناع القرار خريطة تشريعية متكاملة قابلة للتطبيق.
    2. الأهمية الأكاديمية والمعرفية: تُسهم هذه الورقة البحثية في سد فجوة واضحة في الأدبيات العربية المتخصصة التي تفتقر إلى دراسات تربط بين مفهوم الخدمة الوطنية ونظريات التنمية البشرية واقتصاد المعرفة في سياقات ما بعد النزاعات، إذ تُقدم إطاراً نظرياً تكاملياً يستند إلى نظريات رأس المال البشري (بيكر)، ومقاربة القدرات (سن)، ورأس المال الاجتماعي (بتنام) في تحليل ظاهرة الخدمة الوطنية.
    3. الأهمية الاقتصادية والتنموية: يُقدم البحث مقاربة اقتصادية متماسكة تكشف عن الكلفة الحقيقية للتجنيد العسكري مقارنة بالعائد التنموي للخدمة المدنية البديلة، في بلد تتجاوز نسبة بطالة شبابه خمسة وثلاثين بالمئة، ويعتمد على النفط بنسبة تفوق تسعين بالمئة من إيراداته، ويستورد أكثر من ستين بالمئة من غذائه.
    4. الأهمية الاجتماعية والوطنية: يُعالج البحث إشكالية مجتمعية عميقة تتصل بمستقبل ملايين الشباب العراقي، وبمسألة إعادة بناء النسيج الاجتماعي في بلد متعدد المكوّنات عانى من انقسامات حادة، مُقدماً نموذجاً للخدمة الوطنية يُحوّل التنوّع من عبء إلى ثروة.
    5. الأهمية الاستراتيجية: يُسهم البحث في إعادة تموضع العراق إقليمياً ودولياً بوصفه دولة تستثمر في الإنسان والمعرفة والإنتاج، وهو ما يتسق مع مفهوم “القوة الناعمة” ومتطلبات التنافسية في النظام الدولي المعاصر.

    في خضم التحولات العميقة التي يشهدها النظام الدولي، وفي ظل تصاعد النقاشات التشريعية داخل أروقة مجلس النواب العراقي حول إعادة تفعيل قانون خدمة العلم بصيغته العسكرية التقليدية، تتبلور إشكالية بحثية جوهرية يمكن صياغتها في التساؤل المركزي الآتي: “هل يُعدّ التجنيد الإلزامي العسكري الخيار الاستراتيجي الأمثل لبلد يمتلك منظومة أمنية وعسكرية متعددة الطبقات، بينما يعاني من فجوات تنموية هيكلية حادة في قطاعات الزراعة والصناعة والصحة والتعليم؟” تتفرّع عن هذا التساؤل المركزي جملة من التساؤلات الفرعية:

    1. ما الكُلفة الاقتصادية الحقيقية للتجنيد العسكري مقارنة بالعائد التنموي للخدمة المدنية البديلة؟
    2. وما التجارب الدولية الناجحة التي يمكن الاستئناس بها في بناء نموذج عراقي أصيل للخدمة الوطنية المدنية؟
    3. وما الإطار التشريعي والمؤسسي الأنسب لتحويل هذا التصوّر إلى واقع تطبيقي فعّال؟

    تنطلق هذه الورقة البحثية من فرضيتين أساسيتين مترابطتين، تقوم الفرضية الأولى على أنّ توجيه الطاقات البشرية الشبابية نحو القطاعات التنموية الإنتاجية يُحقق عوائد اقتصادية واجتماعية تفوق بمراحل ما يُحققه توجيهها نحو الخدمة العسكرية في بلد يمتلك أصلاً فائضاً في القوى الأمنية. وتُقرر الفرضية الثانية أنّ نموذج الخدمة المدنية التنموية يُسهم في تعزيز التماسك الاجتماعي والهوية الوطنية الجامعة بفاعلية لا تقل عن فاعلية التجنيد العسكري، بل تتفوق عليها في سياقات ما بعد النزاعات.

    لقراءة المزيد اضغط هنا