علياء رشيد خيون/ باحثة في برنامج الدكتوراه/ قسم الاستراتيجية
مراجعة : د. علي فارس حميد / أستاذ الدراسات الدولية والاستراتيجية/ جامعة النهرين
تشهد منطقة الشرق الأوسط مرحلة انتقالية معقدة تتداخل فيها تحولات القوة الإقليمية مع إعادة تشكيل بنية النظام الدولي، الأمر الذي يجعل من فهم طبيعة التنافس القائم ضرورة تحليلية تتجاوز القراءة التقليدية للأزمات والصراعات. فالمنطقة لم تعد ساحة نزاعات محلية منفصلة، بل أصبحت فضاءً تتقاطع فيه استراتيجيات القوى الكبرى مع مشاريع القوى الإقليمية الصاعدة، ضمن بيئة تتسم بارتفاع مستويات عدم اليقين، وتراجع القواعد الناظمة للتوازن، واتساع دور الفاعلين من غير الدول. وفي ظل هذا التشابك، تتخذ الصراعات طابعاً مركباً لا يمكن تفسيره فقط بمنطق الأمن التقليدي أو الحسابات العسكرية المباشرة، بل يتطلب فهماً أعمق للبنى النفسية والإدراكية التي تحكم سلوك الدول في لحظات التحول التاريخي.
في هذا السياق، تبرز أطروحة “فخ ثيوسيديدس” التي طورها غراهام أليسون بوصفها إطاراً تفسيرياً واستشرافياً لفهم ديناميات الصراع بين القوى المهيمنة والقوى الصاعدة. فالنظرية، المستمدة من تحليل الحرب البيلوبونيسية، تنطلق من فرضية أن انتقال القوة لا يصبح خطيراً بسبب تغير القدرات المادية فحسب، بل نتيجة ما يولده هذا التغير من إدراكات متبادلة بالخوف والتهديد وسوء التقدير. ومن ثم، فإن جوهر الإشكالية لا يكمن فقط في صعود قوة جديدة، بل في الطريقة التي تفسر بها القوة المهيمنة هذا الصعود، وما يترتب عليه من سلوك وقائي قد يقود إلى تصعيد غير مقصود.
وتحاول هذه الدراسة توظيف هذا الإطار النظري لفهم التحولات الجارية في الشرق الأوسط، من خلال الربط بين التحليل البنيوي والاستدلال الإدراكي وبناء السيناريوهات المستقبلية. فهي لا تنظر إلى المنطقة باعتبارها مجرد مسرح للصراعات، بل بوصفها نموذجاً مركباً لانتقال القوة، تتفاعل فيه المستويات الدولية والإقليمية والمحلية في آنٍ واحد. كما تسعى إلى اختبار مدى صلاحية نظرية أليسون في تفسير أنماط التنافس الحالية، والكشف عن الكيفية التي يمكن من خلالها أن تتحول الأزمات المحدودة إلى مسارات تصعيدية واسعة، أو على العكس، كيف يمكن إدارة التحول عبر آليات توازن وتفاهم تمنع الانزلاق إلى المواجهة.




