د. مهند حميد الراوي/ دكتوراه في العلوم السياسية (الاستراتيجية)
في الصراعات الجيوسياسية المعاصرة، باتت حسابات كلاوزفيتز التقليدية للنصر العسكري -المعرفة بالتدمير الحاسم للقوات المسلحة للخصم- غير ذات جدوى إلى حد كبير. فمع القيود المفروضة بسبب التكاليف الباهظة للتصعيد التقليدي وتعقيدات الردع غير المتكافئ، اتجهت السياسة الحديثة بشكل متزايد نحو “المنطقة الرمادية” للحرب غير التقليدية المطوّلة. ولا يوجد مكان تتجلى فيه هذه التحولات النموذجية بوضوح أكثر من المواجهة الثلاثية بين الولايات المتحدة وإسرائيل والجمهورية الإسلامية الإيرانية. ففي هذا المسرح، لم يعد الهدف هو تحقيق نصر حاسم، بل ترسيخ الحرمان الاستراتيجي.
إن هذه الحرب قد تحولت في جوهرها إلى حرب سرديات، ولأن النصر المادي مستحيل، فإن الصراع يُحسم في المجال المعرفي بمفهومه الشامل. فالعمليات الاستخباراتية لا تهدف فقط إلى التخريب المادي، بل إلى التلاعب بإدراك الخصم للمخاطر، وبثّ الردع، والسيطرة على السردية المحلية والدولية. ففي صراعٍ تملي فيه البقاء والإنهاك وتيرة الاستراتيجية، يبرز الطرف الذي يُحكم سيطرته على السردية ويحرم الطرف الآخر من أهدافه السياسية منتصراً بحكم الأمر الواقع، إذ إنّ المعايير التقليدية للنجاح العسكري – كالاستيلاء على أراضٍ أو تدمير بنية تحتية – تُعدّ ثانويةً مقارنةً بكيفية إدراك الحرب وتبريرها وتوثيقها في التاريخ.




