back to top
المزيد

    إدارة الاختناق الجيوسياسي وإعادة تدوير الصراع: الاتفاق الأمريكي–الإيراني هدنة اضطرارية أم مسار جديد لإعادة تشكيل أمن الشرق الأوسط

    غالباً ما تشهد العلاقات الدولية تحولات مفصلية عندما تصل الصراعات إلى مرحلة تصبح فيها كلفتها السياسية والاقتصادية والأمنية أعلى من المكاسب التي يمكن أن تحققها. ففي هذه المرحلة، لا يعكس الميل إلى التفاهم انتهاء الخلافات البنيوية أو اقتراب الخصوم من المصالحة، بقدر ما يعبر عن إدراك متبادل بأن إدارة التوتر بأساليب أقل كلفة أصبحت أكثر جدوى من استمرار التصعيد. ومن هذا المنطلق، يمكن فهم مفهوم عتبة الإنهاك الاستراتيجي بوصفه المرحلة التي تقتنع فيها القوى المتنافسة بأن أدوات الضغط والتصعيد فقدت قدرتها على تحقيق نتائج حاسمة، وأن استمرار المواجهة المفتوحة قد يقود إلى استنزاف متبادل تتراجع معه فرص السيطرة على مسار الصراع.

    وتتفق الأدبيات الكلاسيكية في دراسات الحرب والتفاوض الاستراتيجي، بدءاً من أطروحات Carl von Clausewitz التي تنظر إلى الحرب بوصفها امتداداً للسياسة بوسائل أخرى، وصولاً إلى تحليلات Thomas Schelling بشأن الردع والمساومة، على أن الصراعات المعقدة لا تُحسم بالضرورة عبر انتصار عسكري كامل، وإنما من خلال إعادة مواءمة العلاقة بين القوة والهدف السياسي، عندما يصبح التصعيد غير قادر على إنتاج نتائج مستقرة أو قابلة للاستدامة.

    وفي ضوء ذلك، تبدو قراءة التفاعل الأخير بين الولايات المتحدة وإيران أكثر دقة إذا لم تُختزل في كونه انفراجة دبلوماسية عابرة أو مجرد توقف مؤقت للتصعيد. فالحدث يعكس، في جوهره، تحولاً في آليات إدارة الخصومة بين طرفين اعتادا الاحتكام إلى منطق الضغط والردع المتبادل، من دون أن يعني ذلك زوال أسباب الصراع أو انتهاء مصادر التوتر التي ما تزال تحكم طبيعة العلاقة بينهما.

    لا يعكس الاتفاق، بالضرورة، انتقالاً من حالة العداء إلى الشراكة، بقدر ما يعكس إدراكاً متبادلاً لتراجع فاعلية أدوات الضغط القصوى وحدود قدرتها على تحقيق أهدافها. فالولايات المتحدة، رغم ما تمتلكه من تفوق عسكري واقتصادي واسع، لم تنجح في إحداث تغيير حاسم في السلوك الإيراني عبر العقوبات والضغط الاستراتيجي. وفي المقابل، لم تتمكن إيران، على الرغم من امتلاكها أدوات تأثير إقليمية وقدرة على توظيف الجغرافيا والطاقة كورقتي ضغط، من تجاوز القيود الاقتصادية والسياسية التي فرضتها حالة المواجهة المستمرة.

    ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى الاتفاق بوصفه انتقالاً محدوداً من منطق “اللعبة الصفرية”، الذي يفترض أن مكسب أحد الأطراف لا يتحقق إلا بخسارة الطرف الآخر، إلى نمط أقرب إلى “التنافس المنظم”. ففي هذا النمط، تظل المصالح متعارضة، غير أن الأطراف تسعى إلى وضع حدود عملية للصراع تحد من احتمالات الانفجار، وتجعل إدارة الخلاف أكثر قابلية للاستمرار سياسياً وأمنياً.

    وتكتسب هذه التحولات أهمية خاصة لأن الصراع الأمريكي–الإيراني لم يعد مقتصراً على الملف النووي أو التنافس الثنائي، بل أصبح جزءاً من شبكة معقدة من القضايا الإقليمية والدولية، تشمل أمن الخليج، واستقرار أسواق الطاقة، وأمن الملاحة في مضيق هرمز، ومستقبل التوازنات الجيوسياسية في المنطقة. ومن ثم، فإن أهمية الاتفاق لا تنبع من مضمونه المباشر فحسب، بل من كونه يمثل اختباراً لقدرة الطرفين على الانتقال من إدارة الأزمات إلى إعادة صياغة قواعد الصراع، بما يضمن ضبط المنافسة والحد من مخاطر التصعيد، من دون أن يعني ذلك إنهاء أسباب الخلاف أو تجاوز التناقضات البنيوية التي ما تزال تحكم العلاقة بينهما.

    وتفترض هذه الدراسة أن الاتفاق الأمريكي–الإيراني لا يمثل نهايةً للصراع، ولا بدايةً لشراكة استراتيجية، بل يعكس لحظةً أدرك فيها الطرفان حدودَ المواجهة المفتوحة وكلفتها المتصاعدة. ومن هذا المنطلق، يمكن فهم الاتفاق بوصفه محاولةً لإدارة حالةٍ من الإنهاك المتبادل التي أفرزها تراكم الضغوط العسكرية والاقتصادية والسياسية، ودفعتهما إلى البحث عن قواعد تنظم الخصومة وتحد من مخاطرها، من دون أن تُنهي أسبابها البنيوية العميقة.

    وبناءً على ذلك، فإن السؤال المركزي لا يتمثل فيما إذا كان الاتفاق قد أنهى الصراع، وإنما في مدى قدرته على إنتاج نموذج جديد لإدارة التنافس في الشرق الأوسط، يحول أدوات الضغط من عوامل تدفع نحو التصعيد إلى أدوات تفاوضية تسهم في إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية.

    لقراءة المزيد اضغط هنا