المزيد

    كيف يقدِّم علي الزيدي العراق إلى الولايات المتحدة عبر بوابة الاستقرار في المشرق؟

    د. علي بشار اغوان – أستاذ العلوم السياسية والشؤون الاستراتيجية – الموصل

    صار واضحاً أن عقل الرئيس الأمريكي الحالي، دونالد ترامب، هو عقل الصفقات الكبرى في المنطقة. وهذا العقل يمكن أن يمنح الكثير إذا شعر بأنه سيحصل على الكثير. وعلى هذا الأساس، ينبغي على السيد رئيس الوزراء العراقي، علي الزيدي، أن يدخل إلى الولايات المتحدة وبيده مشروع اقتصادي تنموي متكامل يمكن تسميته بـ«مشروع إدارة المنطقة الشامية»، التي تشمل سوريا والأردن ولبنان. وإدارة المنطقة الشامية هنا لا نعني بها الإدارة الأمنية والعسكرية بقدر ما نتحدث عن إدارة اقتصادية وتنموية، لكي لا يتم استفزاز تركيا وإسرائيل وقوى المنطقة الأخرى في هذه المساحة.

    يمكن أن يقود العراق مشروع إدارة المنطقة الشامية، لأنه يمتلك المقومات النظرية للقيادة. وهذا المشروع لا يمكن أن يظهر وينمو من دون وجود غطاء أمريكي مباشر. ولعل الأسباب الموجبة لذلك تتعلق بأن الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة لم تعد تقوم على إدارة الأزمات عبر التوسع العسكري أو الانخراط المباشر في صراعات المنطقة، وإنما تتجه بصورة متسارعة نحو بناء منظومة إقليمية تعتمد على شركاء يمتلكون القدرة على إنتاج الاستقرار الاقتصادي والتنموي، وتأمين الممرات التجارية، وحماية شبكات الطاقة، وإدارة التوازنات المحلية بما ينسجم مع المصالح الأمريكية بعيدة المدى. وفي ظل هذا التحول، أصبحت قيمة الدول في العقل الاستراتيجي الأمريكي ترتبط بوظيفتها الإقليمية أكثر من ارتباطها بحجم مواردها أو قدراتها العسكرية.

    نتحدث عن مشروع القيادة العراقية للمنطقة الشامية، لأن هذه المنطقة تمر بمرحلة إعادة تشكيل شاملة بعد سنوات طويلة من الحروب والتحولات السياسية، وأصبحت بحاجة إلى قوة إقليمية ذات ثقل اقتصادي تمتلك المقومات الاقتصادية والجغرافية والمؤسسية التي تؤهلها لقيادة مرحلة التعافي وإعادة بناء الاستقرار. وتمثل هذه البيئة إحدى أكثر الساحات تأثيراً في مستقبل التوازنات الإقليمية، لأنها تشكل نقطة الالتقاء بين الخليج وتركيا وإيران وشرق المتوسط، كما تتحكم بجزء مهم من مسارات التجارة والطاقة والاتصال البري بين آسيا وأوروبا.

    وعلى هذا الأساس، يمتلك العراق فرصة استراتيجية استثنائية للانتقال من دولة انشغلت، على مدى عقدين، بإدارة أزماتها الداخلية إلى دولة تقود مشروعاً إقليمياً لإعادة تنظيم الفضاء الشامي. فالموقع الجغرافي، وموارد الطاقة، ومشروع طريق التنمية، والقدرة على الربط بين الخليج وسوريا وتركيا، تمنح العراق عناصر قوة يصعب توافرها مجتمعة في دولة أخرى داخل هذا الإقليم. وعندما تتحول هذه العناصر إلى مشروع دولة متكامل، فإن العراق يكتسب وظيفة استراتيجية جديدة داخل الحسابات الأمريكية، قوامها إنتاج الاستقرار، وربط الاقتصاد الإقليمي، وتعزيز أمن الطاقة والتجارة.

    غير أن الوصول إلى هذه المكانة يرتبط بمجموعة من المتطلبات التي ستقيس الولايات المتحدة، على أساسها، مدى جاهزية العراق لأداء هذا الدور، أهمها مكافحة الفساد، وتوحيد القرار الأمني، وتوفير بيئة جاذبة للاستثمار، وإقامة شراكات إقليمية متوازنة، وفي مقدمتها العلاقة مع تركيا، لأن أي مشروع لقيادة المنطقة الشامية يحتاج إلى توافقات إقليمية واسعة بقدر حاجته إلى دعم أمريكي. بل إن هذا المشروع لا يمكن أن ينجح من دون أن يقدم العراق نفسه شريكاً للولايات المتحدة، التي ستحصد معه النتائج من دون الانخراط في التفاصيل والأعباء.

    وانطلاقاً من ذلك، فإن القيمة الاستراتيجية لزيارة رئيس الوزراء، علي الزيدي، إلى واشنطن تتجاوز إدارة الملفات الثنائية التقليدية، لتتحول إلى فرصة لطرح مشروع عراقي متكامل يعيد تعريف موقع العراق داخل الاستراتيجية الأمريكية. فالمعادلة التي تحتاج الإدارة الأمريكية إلى الاقتناع بها تتمثل في أن استقرار العراق يقود إلى استقرار المنطقة الشامية، وأن تمكين العراق من أداء هذا الدور يحقق للولايات المتحدة أهدافها في أمن الطاقة، وحماية الممرات التجارية، وتقاسم الأعباء الأمنية، والحد من التنافس الدولي على النفوذ في الشرق الأوسط، من خلال شريك إقليمي يمتلك القدرة على قيادة بيئته الجيوسياسية بكفاءة واستدامة.

    لقراءة المزيد اضغط هنا