عسكرة الوعي: الخوارزميات الاجتماعية بوصفها أداة في حروب الجيل السادس لتحقيق الهيمنة الدولية
د. عباس فاضل علوان / جامعة الكوفة / كلية العلوم السياسية
يشهد القرن الحادي والعشرون انعطافة بنيوية وجذرية في فلسفة الصراع الدولي، حيث انتقل نطاق المواجهة من الثغور الجغرافية والتحصينات المادية إلى ردهات الإدراك ودهاليز العقل البشري. نحن نعيش اليوم ما يمكن تسميته بـ(عصر الحرب المبرمجة) أو حرب الخوارزميات، في زمن لم تعد فيه القوة العظمى بحاجة لاجتياز الحدود التقليدية بالضرورة لتغيير أنظمة الحكم أو تقويض أركان المجتمعات، بل أصبحت تكتفي باختراق (الحدود الإدراكية) للشعوب عبر شفرات برمجية مصممة بدقة لتنفجر في أعماق الوعي الإنساني. في هذا الفضاء الرقمي المتشابك، لم تعد المعلومة مجرد وسيلة للإخبار، بل استحالت (قذيفة) سيبرانية ونفسية تُدار في مختبرات رقمية تدرك تماماً مكامن العاطفة وأسباب الغضب، مما جعل (المحتوى) في موازين القوى الحديثة سلاحاً استراتيجياً يتفوق أحياناً في أثره على الترسانات التقليدية.
تُمثل حروب الجيل السادس ذروة التطور في العقيدة القتالية العالمية، إذ تجاوزت الأنماط الكلاسيكية لصالح) الحروب اللاتماسية (Non-contact Warfare التي تعتمد كلياً على التكنولوجيا فائقة الدقة والذكاء الاصطناعي، والأنظمة ذاتية التشغيل التي تملك القدرة على معالجة البيانات وتوجيه الضربات في أجزاء من الثانية. حيث إن جوهر هذا الجيل من الحروب لا يكمن في تدمير البنى التحتية فحسب، بل في (تدمير الحقيقة) وإضعاف القدرة على المعرفة، حيث يتم إعادة تعريف النصر بوصفه سيطرة على المجال البشري والثقافي أكثر منه سيطرة على المرتفعات الجغرافية. وفي قلب هذه المعركة، تبرز الخوارزميات الاجتماعية ليس كأدوات تقنية محايدة، بل (كحراس بوابات).
تؤسس هذه المقالة التحليلية لمقاربة استشرافية تبحث في ديناميكيات عسكرة الوعي عبر بوابة الخوارزميات الاجتماعية، سبيلاً لفرض الهيمنة الدولية، وذلك من خلال المحاور التالية