يسعى هذا التقرير إلى تقديم إطار منهجي متكامل يساعد الحكومة العراقية المقبلة على صياغة منهاج وزاري واقعي، قابل للتنفيذ، وقائم على أولويات واضحة تعكس التحديات البنيوية التي تواجه الدولة. وننطلق من فرضية أساسية مفادها أن أزمة الحكم في العراق لم تعد أزمة برامج جزئية أو تعثر إداري فحسب، بل هي أزمة فاعلية دولة، تتجلى في ضعف الاستقرار المؤسسي، وهشاشة العلاقة بين النظام السياسي والمجتمع، واختلال البنية الاقتصادية، وتعقيد البيئة الأمنية والإقليمية.
يؤكد القرار أن المنهاج الوزاري ليس مجرد وثيقة إجرائية لنيل ثقة مجلس النواب، بل يمثل تعاقداً سياسياً ودستورياً وأخلاقياً بين الحكومة والمجتمع، ويشكل المعيار الأساس لتقييم الأداء الحكومي. ومن ثمّ، فإن نجاح الحكومة لا يقاس بوفرة الوعود، بل بمدى قدرتها على ترجمة المبادئ العامة إلى برنامج حكومي تنفيذي محدد بمؤشرات أداء زمنية قابلة للقياس والمساءلة.
على مستوى أولويات الداخل، يدعو التقرير إلى البدء باستعادة فاعلية الدولة قبل توسيع طموحاتها. وتحدد خمس مسارات مترابطة: ترسيخ الاستقرار المؤسسي عبر تنظيم العلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية واحترام الفصل المتوازن بين السلطات؛ إعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة من خلال تحسين نوعية الخدمات وضمان العدالة في توزيعها؛ إصلاح الإدارة العامة بالانتقال من منطق المحاصصة إلى منطق الكفاءة والمؤسسية والتحول الرقمي؛ مكافحة الفساد عبر دعم استقلالية الهيئات الرقابية واعتماد الشفافية والإفصاح الدوري؛ وتحقيق العدالة الاجتماعية من خلال سياسات اقتصادية تركز على التشغيل ودعم الفئات الهشة.
اقتصادياً، يشخص التقرير مجموعة تحديات بنيوية أبرزها الاعتماد المفرط على النفط، تباطؤ النمو، اتساع العجز المالي، تصاعد الدين العام، ضعف الاستثمار، وتراجع قدرة القطاعات غير النفطية على خلق فرص عمل. وتشير إلى أن استمرار هذا المسار يهدد الاستدامة المالية ويقيد خيارات السياسة العامة في المدى المتوسط. وبناءً عليه، تقترح حزمة سياسات تتوزع بين إجراءات قصيرة الأجل لإدارة المخاطر النقدية والمالية، وإصلاحات متوسطة وطويلة الأجل لإعادة هيكلة الاقتصاد.
في المدى القصير، يوصي التقرير بإعادة توظيف الدين الداخلي وتحويل جزء منه إلى استثمارات منتجة، واعتماد تمويل نقدي غير مباشر لمشاريع استراتيجية ذات أثر سريع، إلى جانب توحيد الإيرادات في الخزينة العامة وإنهاء تشظي الصناديق الخاصة. أما في المدى المتوسط والطويل، فتدعو إلى الانتقال إلى موازنة البرامج والأداء، إصلاح النظام المصرفي، إنشاء صندوق سيادي موحد، تنشيط سوق الأوراق المالية، وتبني رؤية اقتصادية وطنية ممتدة حتى عام 2050.
ويولي التقرير اهتماماً خاصاً بقطاعي الزراعة والصناعة بوصفهما رافعتين لمعالجة البطالة والفقر والاختلال الهيكلي. ففي الزراعة، توصي بالانتقال من الدعم الاستهلاكي إلى الاستثمار الإنتاجي، وتطوير سلاسل القيمة، ورفع إنتاجية الأرض والمياه. وفي الصناعة، تقترح إعادة تأهيل الصناعات التحويلية، دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وربط الحوافز بالتشغيل الفعلي. كما تقدم تصوراً لتحويل فئات الرعاية الاجتماعية من عبء مالي إلى طاقة إنتاجية عبر دمجها في مشاريع صناعية وتشغيلية بالشراكة مع القطاع الخاص.
في السياسة الخارجية، ننطلق من مبدأ أن الدبلوماسية أداة وظيفية لتحقيق الاستقرار الداخلي ودعم التنمية. وتدعو إلى سياسة توازن استراتيجي قائمة على عدم الانحياز لمحاور متصارعة، وتنويع الشراكات الدولية بما يحمي المصالح الوطنية. وتحدد دوائر متدرجة للعلاقات الخارجية تبدأ بدول الجوار بوصفها أولوية أمن قومي، مروراً بالدائرة الخليجية والعربية، وصولاً إلى القوى الدولية الكبرى كالولايات المتحدة والصين وروسيا والاتحاد الأوروبي، مع التركيز على الدبلوماسية الاقتصادية ومشاريع الربط الإقليمي.
كما نؤكد على أولوية دبلوماسية المياه والمناخ باعتبارهما من قضايا الأمن القومي طويلة الأمد، وعلى تفعيل دور العراق في المنظمات الإقليمية والدولية، وتعزيز ملف حقوق الإنسان بما ينعكس إيجاباً على السمعة الدولية والاستقرار الداخلي.
أمنياً، نرى أن البيئة الأمنية العراقية أصبحت مركبة ومتعددة المستويات، تشمل تهديدات الجماعات المتطرفة، هشاشة الحدود، تداعيات الساحة السورية، الوجود العسكري الأجنبي، وضعف الجاهزية الجوية. وتوصي بإعادة ترتيب الأولويات الأمنية عبر تأمين الحدود الغربية والشمالية، منع عودة التنظيمات الإرهابية بمقاربة أمنية–تنموية متكاملة، تعزيز الدفاع الجوي، إدارة ملف الوجود الأجنبي ضمن إطار سيادي، وبناء قدرات استخبارية استباقية.
ويشدد التقرير على أن التغير المناخي وشح المياه يمثلان مخاطر مستجدة للأمن القومي، بما يستدعي إدماجهما في التخطيط الاستراتيجي للحكومة المقبلة.
منهجياً، اعتمد اعداد التقرير على سلسلة جلسات حوارية متخصصة ضمت خبراء وأكاديميين وممثلين عن قوى سياسية، وتمت عملية فرز علمي للمقترحات بما يراعي السياق العراقي وإمكاناته الواقعية. وتهدف هذه المقاربة إلى تقديم وثيقة إرشادية تساعد صناع القرار على صياغة منهاج حكومي متماسك، قابل للقياس، ويعزز المساءلة والشفافية.
خلاصة القول، إن الانتقال نحو “دولة فاعلة” يتطلب إعادة تعريف دور الحكومة من إدارة الأزمات إلى إدارة المصالح، ومن الاستجابة الظرفية إلى التخطيط الاستراتيجي، ومن منطق التوازنات السياسية الضيقة إلى منطق الكفاءة والمؤسسية. وتقدم هذه الورقة إطاراً عملياً لتحقيق هذا التحول، بما يضع أسس استقرار مستدام، وتنمية متوازنة، وسيادة وطنية راسخة.




