back to top
المزيد

    واحة البيان

    فقه البقاء: حتمية الواقعية السياسية في العراق

    ​ د. حيدر زوير

    ​1. الاستهلال التحليلي: التحول البنيوي في النظام الدولي

    ​       لم يعد العالم يرزح تحت وطأة “القطبية الواحدة” التقليدية، بل دخل فيما يمكن تسميته “الواقعية الفجة”؛ حيث تلاشت المساحيق الدبلوماسية التي جملت وجه الهيمنة الأمريكية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. إن “المرحلة الترامبية” ليست مجرد حقبة رئاسية، بل هي تجسيد لعودة الدولة القومية المتوحشة التي تغلب “الصفقة” على “المبدأ”. في هذا السياق، تتقلص هوامش المناورة أمام الدول “الرخيّة” كالعراق، وتصبح الرمزيات السياسية عبئاً إذا لم تسندها قوة اقتصادية أو عسكرية مانعة. لذا، فإن “لغة المنتحر” أو الخطاب الصدامي يمثل انفصالاً عن الواقع الجيوسياسي الذي لا يعترف بالحقوق الأخلاقية، بل بموازين القوى الصرفة.

    ​2. البيئة الدولية والإقليمية: ما بعد “انفجار الثوابت”

    ​       المرحلة الترامبية وتفكيك المنظومات: ترتكز عقيدة ترامب على “الاستثمار في الضغط”؛ فهي لا تسعى للحلول الدائمة بقدر ما تسعى لاستنزاف الخصوم عبر “تسيس الأدوات المالية”.

    ​أثر “طوفان الأقصى”: كشفت الحرب الأخيرة أن المنطقة أُعيدت صياغتها ضمن محورين لا ثالث لهما، مما أدى إلى ذوبان المنطقة الرمادية. أي تحرك عراقي لتكريس قيادة سياسية تُصنف “صدامية” لدى واشنطن، سيُفسر فوراً بأنه تقوية لـ “جبهة الرفض”، مما يحول العراق من “ساحة تفاوض” إلى “ساحة تصفية حسابات” إستراتيجية، وهو ما يتقاطع مع الرغبة الإسرائيلية في تحييد العراق كلياً.

    ​3. الجيوفيزياء السياسية للعراق: نقاط الانكشاف والقدرات

    ​يواجه العراق إشكالية “التلازم القسري” مع الاقتصاد الأمريكي. الهشاشة الاقتصادية (السلاح النقدي): إن سيطرة الفيدرالي الأمريكي على تدفقات الدولار ليست إجراءً فنياً، بل هي “مشنقة سياسية” جاهزة للاستخدام.

    ​تحدي المواجهة: إن أي صدام مع الإرادة الأمريكية في ملف رئاسة الوزراء سيعقبه فوراً تفعيل أدوات “الخنق المالي”، وهو ما سيؤدي إلى تآكل الحاضنة الشعبية للإطار التنسيقي نتيجة الانهيار المعيشي المتوقع. المواجهة هنا ليست “عسكرية” بل هي مواجهة مع “الجوع والفوضى الاجتماعية”، وهي حرب لا يمتلك العراق حالياً أدوات صدها بنجاح.

    ​4. قراءة في مسارات الترشيح: رمزية “المالكي” والكمين الإستراتيجي

    ​       إن ترشيح السيد نوري المالكي يتجاوز كونه شأناً داخلياً، ليصبح “نقطة اشتباك” دولية.

    ​المسار السيادي: يمثل رغبة في استعادة القرار الوطني وكسر الفيتو الخارجي.

    ​المسار الإستراتيجي (فخ الاستدراج): تدرك الإدارة الترامبية، بتأثير مباشر من قوى إقليمية وأجندات صهيونية، أن وصول المالكي يمنحها “الذريعة الذهبية” لشرعنة محاصرة العراق. فالمال الخليجي هنا يُستثمر في واشنطن “لشراء مواقف عقابية” ضد العراق. الرهان ليس على شخص السيد المالكي بقدر ما هو رهان على “رد الفعل الأمريكي” الذي صُمم ليكون مدمراً للدولة العراقية في هذه المرحلة.

    ​5. السيناريوهات المالية: بين الانفجار والاحتواء

    ​السيناريو الأول (المواجهة الصفرية): الإصرار على فرض الخيارات السياسية رغماً عن التوازنات الدولية، مما سيؤدي لعزل العراق مالياً وتوفير المبرر للاستهداف المباشر.

    ​السيناريو الثاني (البراجماتية الوقائية): تبني إستراتيجية “الانحناء الذكي”؛ عبر تقديم شخصية تحقق الحد الأدنى من التوافق الدولي، مع الحفاظ على نفوذ الإطار داخل مفاصل الدولة، وهو ما يضمن استقرار العملة وتفويت الفرصة على المتربصين بالعراق.

    ​6. الخلاصة والتوصيات الإستراتيجية: نحو “فقه البقاء”

    ​       فك الارتباط بين الشجاعة والتهور: القوة تكمن في البقاء لا في الصدام الذي ينتهي بسحق القدرات.

    ​إدارة التوقعات الدولية: التعاطي مع العراق كدولة “قيد التعافي” تتطلب حماية من الاستهداف الأمريكي-الصهيوني عبر مناورات سياسية ذكية.

    ​الواقعية كأداة شرعية: إن تغليب المصلحة العامة وحماية معيشة الناس هو أسمى درجات الشرعية السياسية.

    اقرأ ايضاً