مهند حميد الراوي/ باحث
على الرغم من أن استخدام العنف بشكل عام، والعنف المستدام بشكل خاص، ارتبط عضوياً وتاريخياً ومشروعياً بكيان الدولة لضبط حالة الأمن من جهة، وأحياناً لحماية المكتسبات الديمقراطية وحرية الرأي والتعبير من جهة ثانية، إلا أن ظهور فواعل هجينة تنافس الدولة على مكانتها لتحقيق أهداف معينة، فضلاً عن أن هذه الفواعل كانت دائماً ما تستخدم العنف كوسيلة لتحقيق غايات محددة، أبرزها الحلول مكان الدولة كفاعل رسمي له شرعيته القانونية، أدى إلى تعقيد المشهد.
وبنتيجة ضغط المجتمع المحلي من جهة، والمجتمع الدولي من جهة ثانية، فضلاً عن محاولات الدولة احتكار العنف لنفسها، لجأت تلك الفواعل إلى حالة العنف المستدام، مما حولها إلى ظاهرة تبلورت في كونها “هدف وسائلي”، بمعنى أنها تحولت من كونها وسيلة إلى أن تكون وسيلة وهدف في الوقت نفسه، وهو ما يقوّض التحولات الديمقراطية.
أسهمت ظاهرة العنف المستدام بشكل كبير في تقويض حالة الديمقراطية في العراق، سواء قبل احتجاجات تشرين أو بعدها، التي أفرزت مجموعة من الأحزاب السياسية الناشئة، والتي أدّت إلى تحديات كبيرة أمام الديمقراطية في البلاد. ولا سيما أن هذه الأحزاب كانت على النقيض من ظاهرة العنف المسلح، مما دفع الفواعل المسلحة إلى توظيف ظاهرة العنف بأقصى درجاته لمواجهة هذه الأحزاب الناشئة. ومع ذلك، استمرت هذه الأحزاب في العمل والممارسة السياسية، مع الأخذ بعين الاعتبار أنها تأثرت بظاهرة العنف المستدام بدرجة كبيرة.
وبالرغم من أن ظاهرة العنف المستدام هي ظاهرة تتعلق عادة بالكيانات التي تمتلك شرعية و/أو مشروعية، والتي تتمثل بالدولة حصراً، إلا أنها في العراق توسعت لتشمل فواعل هجينة وظفت هذه الظاهرة، مما أثر على التحولات الديمقراطية في العراق لأكثر من عشرين سنة، وتجسدت هذه الظاهرة بشكل واضح في سياق التحولات الديمقراطية ومحاولة عرقلتها.
تنطلق فكرة الورقة البحثية من افتراض مفاده: “كلما ازدادت ظاهرة العنف المستدام للفواعل الهجينة، أدى ذلك إلى تقويض حالة الديمقراطية، فضلاً عن فقدان الدولة لشرعيتها في حماية الأحزاب السياسية والنشاط السياسي بشكل عام، سواء على مستوى المشاركة في الانتخابات، أو على مستوى الفعل السياسي غير المباشر في رفع مستوى الوعي السياسي مجتمعياً”.
تتمثل الحدود الزمانية في الحقبة الممتدة منذ ظهور الفواعل الهجينة ومحاولتها توظيف ظاهرة العنف بشكل عام، وتبنيها حالة العنف المستدام بالتبلور والظهور في الساحة العراقية. وبما أن ظاهرة العنف المستدام تشمل غالبية البيئة العراقية، وكذلك حالة الديمقراطية، فإن مكانة الورقة البحثية ستشمل البيئة العراقية بشكل عام. كما تتمثل موضوعية الورقة البحثية في دراسة متغير ظاهرة العنف المستدام وتأثيره على متغير حالة الديمقراطية في العراق من خلال التحولات الديمقراطية.




