غراهام أليسون، برفيسور دوغلاي ديلون في الدراسات الحكومية في كلية كينيدي جامعة هارفرد.

هذا المقال مقتبس من كتاب بعنوان: الحرب القادمة: هل تستطيع أميركا والصين الهروب من فخ ثيوسيديدس؟ (هوتون ميفلين هاركوت، 2017).

إدارة الصراع القادم بين الحضارتين

استيقظ الشعب الأميركي على تنافس الصين المزدهرة مع الولايات المتحدة في كل المجالات، إذ يشعر العديد من الناس بالراحة تجاه نهضة الصين كونها أغنى الدول وأقواها ويرونها بأنها ستسير على خطى ألمانيا واليابان وغيرهما من الدول التي شهدت تحولات عميقة وبرزت كديمقراطيات ليبرالية متقدمة؛ وبناءً عليه، سيقود هذا الخليط السحري من العولمة والنزعة الاستهلاكية القائمة على السوق والاندماج في النظام الدولي القائم على القوانين الصين إلى أن تصبح في النهاية دولة ديمقراطية في الداخل وأن تتطور إلى ما وصفه نائب وزير الخارجية الأميركي روبرت زويليك (بالدولة المستثمرة الموثوق بها في الخارج).

بيّن صاموئيل هنتنغتون -وهو عالم سياسي- في مقاله بعنوان “صراع الحضارات” الذي نُشر في هذه المجلة عام 1993، “أن خطوط الصدع الثقافية ستصبح سمة مميزة لعالم ما بعد الحرب الباردة بعيداً عمّا يتعلق بحل النظام الليبرالي العالمي”. ففي بصيرة هنتنغتون شيء من الحكمة إذ ألقت الضوء على الانقسام بين “الحضارات الغربية والإسلامية”، وهو الانقسام الذي كُشفت عنه هجمات 11 أيلول عام 2001 وما أعقبها من صراعات، لكن هنتنغتون رأى الفجوة بين الغرب الذي تقوده الولايات المتحدة والحضارة الصينية بنفس العمق والثبات والترابط، وأشار  إلى أن “الفكرة القائلة من أن هنالك “حضارة عالمية” هي فكرة غربية تتعارض مباشرة مع خصوصية معظم المجتمعات الآسيوية وتركيزهم على ما يميّز أي شعب من الآخر”.

وقد دعمت السنوات منذ ذلك الحين حجة هنتنغتون، بل إن العقود القادمة ستعززها، وتجسد الولايات المتحدة ما اعتبره هنتنغتون بالحضارة الغربية، وأن التوترات بين القيم والتقاليد والفلسفات لدى كل من أميركا والصين ستزيد من خطورة التوترات الهيكلية الأساسية التي تحدث حينما تهدد دولة مزدهرة “كالصين” بإزاحة قوى معروفة “كالولايات المتحدة”.

إن السبب الذي يقف وراء مثل هذه التحولات التي تقود إلى الصراع هو “فخ ثوسيديديس Thucydides”، الذي سمّي بذلك بعد أن لاحظ المؤرخ اليوناني ثوسيديديس ديناميكية خطيرة بين أثينا المزدهرة وحكم سبارتا، وعلى وفق ثوسيديديس “فإن صعود أثينا وازدهارها أدى إلى الخوف من أن هذا الازدهار غرس في حكم سبارتا وعليه ستكون الحرب حتمية”. تشعر القوى الصاعدة بالأحقية والأفضلية وتطالب بمزيدٍ من النفوذ والاحترام، أما القوى التأسيسية فتواجه المنافسين وتميل إلى أن تصبح قلقة وغير مستقرة ودفاعية، وفي مثل هذه البيئة تتعاظم فيها سوء الفهم وتخلو من التعاطف والاحترام، فضلاً عن أن الأحداث وردود أفعال الطرف الثالث -التي من الممكن أن تكون إما غير مقبولة وإما غير مطيعة- بإمكانها أن تؤدي إلى حروب لا يرغب بها المسؤولون الأساسيون.

في مثل حالة الصين والولايات المتحدة، تتفاقم مخاطر فخ ثيوسيديديس بسبب عدم التوافق الحضاري بين البلدين؛ الأمر الذي يزيد من حدة التنافس ويجعل من الصعب تحقيق العلاقات الودية، ويمكن ملاحظة هذا التباين بسهولة في الاختلافات العميقة بين المفاهيم الأميركية والصينية للدولة والاقتصاد، ودور الأفراد والعلاقات بين الدول والأمم، وطبيعة الوقت.

جنود جيش التحرير للشعب الصيني خلال موكب عسكري في منطقة منغوليا الداخلية ذاتية الحكم، الصين، تموز 2017. رويترز
جنود جيش التحرير للشعب الصيني خلال موكب عسكري في منطقة منغوليا الداخلية ذاتية الحكم، الصين، تموز 2017. رويترز

يرى الشعب الأميركي أن الشرّ أمرُ لا بد منه، ويعتقد بضرورة وضع قيود نحو هدف الدولة في صناعة الاستبداد وإساءة استخدام السلطة، أما بالنسبة للصينيين فإن الحكومة دعامة أساسية لضمان النظام ومنع الفوضى؛ إذ في النظام الرأسمالي للسوق الحرّة على الطريقة الأميركية، تضع الحكومة وتنفذ القوانين وفي بعض الأحيان من الممكن أن يحدث تدخل حكومي في الاقتصاد وملكية الدولة، ولكن تعد استثناءات غير مرغوب بها، وفي اقتصاد السوق التي تقوده دولة الصين، تضع الحكومة أهدافاً للنمو، وتدعم الصناعات لتطوير المنتوج الوطني وتعزيزه، والاضطلاع بمشاريع اقتصادية كبيرة طويلة الأمد للنهوض من أجل مصالح البلاد.

لا تمجد الثقافة الصينية النهج الفردي الذي تتبعه الطريقة الأميركية  التي تقيس المجتمع بمدى حماية الدولة للحقوق وتعزيز حرية الأفراد، يشير المصطلح الصيني التالي “النهج الفردي أو الفردية” -gerezhuyi- إلى الاهتمام بنحوٍ أناني ومقتصر على فرد واحد بدلاً من مجتمع كامل. إن المعادلة الصينية الآتية “أعطني الحرية أو أعطني الموت” ستصبح “أعطني مجتمعاً متناغماً أو أعطني الموت”، إذ بالنسبة للصين فإن النظام هو السلطة العليا في البلاد وإن الانسجام والتوافق ينتجان عبر الثيروقراطية إذ يتمثل المعتنقين لمذهب الفيلسوف كونفوسيوش الذي يقوم على القاعدة الآتية: اعرف مكانك!.

لا ينطبق هذا الرأي على المجتمع المحلي فحسب، بل ينطبق أيضاً على الشؤون الاجتماعية، إذ ترى الصين -حسب وجهة نظرها- أن مكانها الصحيح هو فوق الهرم، وتترتب دول أخرى كروافد تابعة، أما وجهة النظر الأميركية فتختلف نوعاً ما. ومنذ نهاية الحرب العالمية الثانية على الأقل، سعت واشنطن إلى منع ظهور “منافس ند” بإمكانه أن يحد من الهيمنة العسكرية الأميركية، لكن أكدت التصورات الأميركية بعد الحرب للنظام الدولي الحاجة إلى نظام عالمي قائم على قوانين تقيد حتى الولايات المتحدة.

وأخيراً، فإن كل من الصين وأميركا يفكران بالوقت ويختبران مروره بنحوٍ مختلف، إذ يميل الأميركان إلى التركيز في الحاضر؛ وغالباً ما يحصون الساعات والأيام، أما الصينيون فيمتلكون عقلية تأريخية إذ يفكرون في المستقبل لعقود وقرون.

وبالطبع، فإن تلك التعميمات شاملة وهي بالضرورة اختزالية ولا تعكس تماماً تعقيدات كل من المجتمع الصيني والأميركي، لكنها تقدم ملاحظة مهمة، وهي أن على صانعي السياسة في الولايات المتحدة والصين أن لا ينسوا سعيهم بإدارة هذه المنافسة من دون حرب.

نحن الأبرز

تتفاقم الاختلافات الثقافية بين الولايات المتحدة والصين بسبب ميزة بارزة يشترك فيها البلدان وهي: عقدة السمو، والعلو المتطرف؛ فكل منهما يرى نفسه استثنائياً ومميزاً من دون نظير.

في بعض النواحي، تجتاح الاستثنائية الصينية بنحوٍ أكبر من نظيرتها الأميركية، “وترى الإمبراطورية الصينية نفسها مركز العالم المتحضر”، كتب المؤرخ هاري جيلبر في كتابه لعام 2001 بعنوان “الأمم من الإمبراطوريات” أنه في خلال الحقبة الإمبراطورية، والعالم البيروقراطي الصيني لا يعتقد في “الصين” أو “الحضارة الصينية” في المعنى الحديث على الإطلاق، وبالنسبة له، كان هنالك شعب “الهان Han”، وبعد ذلك أتى المجتمع البربري “الهمجي”، ومهما كان غير متحضر فهو في النهاية وبحكم تعريفه “وحشي”.  

هينري كيسنجر وماو زيدونغ في بكين 1975.
هينري كيسنجر وماو زيدونغ في بكين 1975.

وحتى يومنا هذا، يفتخر الصينيون بإنجازاتهم الحضارية، إذ قال الرئيس الصيني شي جين بينغ في خطاب له عام 2012 “إن أمتنا دولة عظيمة”، “فخلال عملية الحضارة والتطوير والتنمية التي دامت 5000 سنة، قدمت الأمة الصينية مساهمة لا يمكن محيها أو نسيانها في حضارة البشرية وتقدمها”، وأشار شي في كتابه عام 2014 بعنوان “حكم الصين” إلى أن “حضارة الصين المتواصلة لا تساوي أي شيء على الأرض، إذ إنها إنجاز فريد من نوعه في تأريخ العالم”.

إما الأميركيون فيرون أنفسهم أيضاً في طليعة الحضارة، ولاسيما حين يتعلق الأمر بالتنمية السياسية، فشغف الحرية مكرس في الوثيقة الأساسية للعقيدة السياسية الأميركية وهي “إعلان الاستقلال” التي تنص على أن “جميع الرجال خلقوا متساووين” وعليه “يمنحهم خالقهم بحقوق لا يجوز التصرف بها”. وبين هذا الإعلان أن تلك الحقوق تشمل “الحياة والحرية والسعي لتحقيق السعادة”، وتؤكد أن هذه ليست مسائل للنقاش بل حقائق بديهية. وقد كتب المؤرخ الأميركي ريتشارد هوفستادتر “كان قدرنا كدولة لا تمتلك أيدلوجيات بل همها الوحيد أن تصبح الأولى”. وعلى النقيض من ذلك، فإن النظام هو القيمة السياسية المركزية للصينيين، والنظام ينتج من الثيروقراطية. إن الحرية الفردية (كما يفهمها الأميركيون) تشوش الثيروقراطية، ويرى الصينيون أنها تجلب الفوضى. 

افعلْ كما أقول وكما أفعل؟

اعترف مؤسسو الولايات المتحدة بأن المجتمع بحاجة للحكومة على الرغم من انعدام الثقة للشعب الأميركي بالسلطة، لكن من ناحية أخرى من يقوم بحماية المجتمع من التهديدات الأجنبية أو من عمليات انتهاك المجرمين لحقوقهم داخل البلاد؟ إن وجود حكومة قوية بما فيه الكفاية لتلبية متطلبات المجتمع الأساسية وحاجاته، لا بد من أنها ستميل نحو الاستبداد، ولإدارة هذا التحدي بين مؤسسي الولايات المتحدة في تشكيل الحكومة وتلبية رغبات المجتمع وزيادة ثقة المجتمع بتلك الحكومة، صمموا حكومة تكون “حكومة مؤسسات منفصلة تتقاسم السلطة”، كما وصفها المؤرخ ريتشارد نيوستدت؛ وعليه أدّى ذلك إلى وجود نضال مستمر بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، مما ترتب عليه الخلل والجمود والتأخير في عمل هذه المؤسسات، ولكنها قدمت أيضاً ضوابط وتوازنات ضد إساءة المعاملة.

إن المفهوم الصيني للحكومة ودورها في المجتمع ربما يكون مختلفاً تماماً عن نظيره الأميركي، إذ لاحظ لي أن “تأريخ البلاد وأرشيفها الثقافي يُظهر أنه حينما يكون هنالك حكومة مركز قوية (في العاصمة بكين أو نانجينغ سابقاً) فإن البلاد ستعيش في سلام وإزدهار، وعندما تكون حكومة المركز ضعيفة فإن الأقاليم والمدن التابعة لها يديرها حاكم ضعيف وقليل الخبرة، وبناءً على ذلك، فإن نوع الحكومة المركزية القوية التي يقاومها الأميركان، تمثل بالنسبة للصينيين الوكيل الرسمي والحصري الذي يفرض القوانين للمصلحة العامة داخل البلاد وخارجها، وفي بعض الأحيان، تكتسح الاستثنائية الصينية نظيرتها الأميركية

وفيما يخصُّ الشعب الأميركي، فإن الديمقراطية هي الشكل الوحيد للحكومة إذ تستمد السلطات شرعيتها من قبول المحكومين (الشعب)، ولا يعدُّ هذا الرأي سائد في الصين، حيث من الشائع الاعتقاد بأن الحكومة تكسب أو تفقد الشرعية السياسية على أساس

أدائها، وفي واحدة من مؤتمرات التيد توك [1]TED Talk عام 2003، تحدى إريك لي -وهو أستاذ جامعي يؤيد مشروع النظام المالي- تفوق الديمقراطية.

قائلاً “سُئلت يوماً، لم يتم التصويت على الحزب في الانتخابات، إذاً أين هو مصدر الشرعية؟”

قلت: “ماذا عن الكفاءة؟”

إذ كان إريك يقوم بتذكير جمهوره بأن في عام 1949 حينما تولى الحزب الشيوعي الصيني السلطة كانت الصين غارقة في الحرب الأهلية وتم تمزيقها على أيدي العدوان الأجنبي، مؤكداً أن الوضع ازداد سوءاً حينها، إذ كان متوسط العمر المتوقع للفرد الصيني لا يتجاوز الواحد والأربعين عاماً، لكن اليوم! تعدُّ الصين ثاني أكبر إقتصاد في العالم فضلاً عن القوى الصناعية، وعليه يعيش الصينيون الآن في ازدهار مستمر.

إن لدى واشنطن وبكين نهجاً مختلفاً حينما يتعلق الموضوع بتعزير قيمهما السياسية الأساسية على الصعيد الدولي، فيعتقد الأميركان أن حقوق الإنسان وتحقيق الديمقراطية هي تطلعات عالمية، إذ يتطلب الأمر المثال الأميركي فقط وفي بعض الأحيان تشجيع للإمبرالية الجديدة ليتم تحقيقها في كل مكان. إن الولايات المتحدة كما وصفها هنتنغتون في كتابه “صراع الحضارات” هي دولة تبشيرية يقودها الاعتقاد بأن الشعوب غير الغربية يجب أن تلتزم بالقيم الغربية، ويجب أن تتجسد هذه القيم في مؤسساتهم، ويعتقد معظم الأميركان أن الحقوق الديمقراطية سوف تعود بالنفع على كل شخص في أي مكان بالعالم.

وعلى مرّ العقود، اتبعت واشنطن سياسة خارجية تسعى إلى النهوض بالقضية الديمقراطية، حتى في بعض الأحيان تحاول فرضها على أولئك الذين فشلوا في اعتناقها، وعلى الرغم من أن الصينيين يعتقدون أن الآخرين معجبون بفضائلهم ويحاولون محاكاة سلوكهم، فإن القادة الصينيين لم يرشدوا إلى نهجهم، وكما أشار الدبلوماسي الأميركي هنري كيسنجر إلى “أن الإمبراطورية الصينية لا تطرح أفكارها، بل تدع الأخرين يبحثون عنها”. ومن غير المستغرب، فإن القادة الصينيون لا يشككون بجهود الولايات المتحدة لضمهم للعقيدة الأميركية. في أواخر الثمانينيات إشتكى دنغ شياو بينغ -الذي قاد الصين من عام 1978 إلى عام 1989 وشهدت البلاد في عهدة البدأ بالعملية الليبرالية الاقتصادية – من أن الحديث الغربي عن حقوق الإنسان والحرية والديمقراطية تم تصميمه فقط لحماية مصالح الدول الغنية والقوية لتستفيد من قوتها من أجل تخويف الدول الضعيفة وعليه تسعى إلى الهيمنة وممارسة سياسة القوة.

التفكير سريعاً وبطيئاً في آن واحد

إن الحواس الأميركية والصينية في الماضي والحاضر والمستقبل تختلف اختلافاً جوهرياً، احتفلت أميركا بعيد استقلالها الـ 241 في تموز الماضي، بينما يفخر الصينيون بالإشارة دوماً إلى تأريخهم الذي يمتد إلى خمسة الآف سنة، وغالباً ما يشير القادة الأميركان إلى “التجربة الأميركية”، وغالباً ما تعكس سياستهم العشوائية هذا الموقف. وعلى النقيض من ذلك، ترى الصين نفسها ثابتة وراسخة في الكون فهي كانت دوماً وستكون كذلك.

وبسبب اهتمام القادة الصينيين المبالغ فيه بالوقت، فإنهم حريصون على تناول الموضوعات حسب أهميتها وحاجتها للوقت من أجل الحفاظ على الوقت، ومن الصعب تصور أن زعيماً سياسياً أميركياً يقترح وضع المشكلة الخارجية الأساسية على الرف من أجل الأجيال القادمة؛ ومع ذلك، فإن هذا هو بالضبط ما فعله دنغ عام 1979حينما قاد الجانب الصيني إلى مفاوضات مع اليابان فيما يتعلق بجزر (دياويو/سينكاكو) المتنازع عليها وتم التوصل إلى حلّ نهائي بدلاً من اختيار حل النزاع والخلاف.

وبناء على المطالبات عبر وسائل الإعلام والرأي العام فقد قام السياسيون الأميركان بالإعلان عن خطط السياسة النقطية التي ستقدم حلولاً سريعة، وعلى النقيض من ذلك، فإن القادة الصينيين يتمتعون بصبر استراتيجي طالما أن الاتجاهات تتحرك في صالحهم، إذ ينتظرون المشكلة تأتي وهم مرتاحون، ويعدُّ الأميركان أنفسهم قادرين على حل المشكلات، ويعكس ذلك على تركيزهم على المشكلات قصيرة المدى وليست طويلة المدى لتحقيق أهداف فورية على حساب المشكلات طويلة المدى التي تحتاج إلى معالجة، إذ يرونها على أنها قضايا منفصلة يجب معالجتها للانتقال إلى المشكلة الآتية. دعا ذات مرة الروائي الأميركي والمؤرخ غور فيدال بلده بـ “الولايات المتحدة فاقدة الذاكرة”- وهو مكان تعدُّ فيه كل فكرة ابتكاراً، وكل أزمة أزمة لم يسبق لها مثيل، وهذا يتناقض بشدة مع الذاكرة التأريخية والمؤسسية العميقة للصينيين الذين يفترضون أنه لا يوجد شيء جديد في أي مكان على الأرض.

تمثال من الجص صنع في القرن الواحد والعشرين لثيوسيديدس.
تمثال من الجص صنع في القرن الواحد والعشرين لثيوسيديدس.

يميل القادة الصينيون إلى الاعتقاد بأن هنالك العديد من المشكلات لا يمكن حلها بل يجب بدلاً من ذلك إدارتها، وهم يرون التحديات على المدى البعيد، إذ إن القضايا التي يواجهونها اليوم نتجت عن عمليات تطورت خلال سنة أو عقد أو قرن ماضي، فالإجراءات السياسية التي اتخذوها اليوم ستساهم في هذا التطور. على سبيل المثال، منذ عام 1949 قاد القوميون الصينيون المحتالون (كما تراهم بكين) تايوان، وعلى الرغم من أن القادة الصينيين يصرون على أن تايوان ما زالت جزءاً لا يتجزأ من الصين، فقد اتبعوا استراتيجية طويلة الأمد تشمل تضييق التشابك الاقتصادي والاجتماعي لضم الجزيرة إلى البلاد.

من هو المدير؟

إن الصراع الحضاري الذي سيجعل من الصعب على واشنطن وبكين الاختباء من فخ ثيوسيديدس الذي ينبثق من تصوراتهما المنافسة للنظام العالمي، وتوفر معاملة الصين لمواطنيها (سيناريو) لطبيعة علاقاتها مع جيرانها الأضعف في الخارج، ويحافظ الحزب الشيوعي الصيني على النظام عبر فرض الثيوقراطية الاستبدادية التي تقتضي بإذعان المواطنين وامتثالهم، ويعكس السلوك الدولي للصين توقعات مماثلة للنظام؛ ففي موقف لم يسبق له مثيل -خلال اجتماع عام 2010 لرابطة أمم جنوب شرق آسيا- ردّ وزير الخارجية الصيني آنذاك يانغ جيتشي على الشكاوى التي تلقاها حول الإصرار الصيني في بحر الصين الجنوبي عبر إخبار نظرائه الإقليميين وسكرتير الولايات المتحدة لولاية هيلاري كلينتون بأن “الصين هي دولة كبيرة، وأن الدول الأخرى هي بلدان صغيرة، وهذه حقيقة لا بد منها”.

وعلى النقيض من ذلك، يتطلع القادة الأميركان إلى سيادة القانون الدولي التي هي أساساً سيادة القانون المحلي للولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه يصف القادة الأميركان أنفسهم بالأسد الذي من الأفضل أن يكون حاملاً للسلطة والقوة في الغابة العالمية هوب زيان بدلاً من (الخروف)؛ وعليه تحاول واشنطن إصلاح هذا التوتر عبر رسم عالم تكون فيه الولايات المتحدة هي الدولة التي تنشر الخير وتكون هي المهيمنة إذ تتصرف وكأنها من يشرع القانون العالمي وهي الشرطي، والقاضي، وهيئة المحلفين.

تحث واشنطن السلطات الأخرى على قبول النظام الدولي القائم على القواعد الذي من خلاله تترأس، ويبدو أن الصينيين يعلمون أن الأميركان يصنعون القانون ويطيع الآخرون أوامر واشنطن، فقد أصبح الجنرال مارتن ديمبسي، الرئيس السابق لرؤساء الأركان المشتركة، على دراية بالاستياء المتوقع الذي استمد من الصين، وقال ديمبسي في مقابلة له مع هذه المجلة العام الماضي إن “أحد الأشياء التي أبهرتني عن الصينيين هو أنه كلما أجري محادثة معهم حول المعايير الدولية أو قواعد السلوك الدولية، فإنهم يشيرون إلى أن تلك القواعد وضعت حينما غابوا عن المسرح العالمي”.

أنت حر باختيار طريقك

أمضت الولايات المتحدة ما يقارب ثلاثة عقود كأقوى دولة في العالم، وخلال ذلك الوقت، كان التأثير الكبير لواشنطن على الشؤون العالمية ضرورياً وجوهرياً للحلفاء والقادة للدول الأخرى لفهم الثقافة الأميركية ونهج الولايات المتحدة للاستراتيجية، فغالباً ما كانت تشعر أميركا بالكمال من أنها ليست بحاجة إلى التفكير عميقاً حول وجهات النظر العالمية عنها؛ إذ هنالك اعتقاد تم دعمه من قبل حلفاء أميركا وهو أن العالم أصبح متأكداً وعلى قناعة تامة بحبه لأميركا.

إن ازدهار الصين في السنوات الأخيرة تحدى عدم الاهتمام هذا، فبدأ صناع السياسة في الولايات المتحدة إدراك أن عليهم تحسين فهمهم للصين -ولاسيما فيما يتعلق بالتفكير الاستراتيجي الصيني- وبدأ صناع السياسة في الولايات المتحدة رؤية السمات المميزة في طريقة تفكير نظرائهم الصينيين حول استخدام القوة العسكرية، وحين اتخاذ قرار في كيفية الهجوم على الخصوم ووقته فإن القادة الصينيين كانوا في أغلب الأحيان عقلانيين ومنطقيين، غير أن واضعي السياسات والمحللين الأميركيين حددوا خمسة افتراضات تقدم مزيداً من الأدلة على السلوك الاستراتيجي المحتمل للصين في المواجهات.

بداية، تساق الاستراتيجية الصينية (في كل من الحرب و السلام) بفعل السياسة الواقعية وغير المرتبطة بأي محاولة جادة لتبرير السلوك الصيني من حيث القانون الدولي أو المعايير الأخلاقية؛ وهذا يسمح للحكومة الصينية بأن تكون مرنة طالما أنها تواجه قيوداً قليلة وهي في مأمن من الانتقادات التي توجه لها من أنها متناقضة؛ لذلك على سبيل المثال، حينما وصل كيسنجر إلى الصين في عام 1971 لبدء محادثات سرية حول التقارب الأميركي الصيني، وجد محاوريه غير ملتزمين بالأيديولوجية وصريحين بشدة بشأن المصالح الوطنية للصين، وبينما رأى كيسنجر والرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون أنه من الضروري التوصل إلى حل وسط لإنهاء حرب فيتنام بحجة “السلام بشرف”، لم يشعر الزعيم الصيني ماو تسي تونج بضرورة التظاهر بإقامة علاقات مع الولايات المتحدة الرأسمالية لتعزيز موقف الصين الشيوعي تجاه الاتحاد السوفيتي، فكان تونج يدعم بطريقة أو بأخرى حركة دولية اشتراكية أكبر.

والجدير بالذكر أن النهج العملي الذي تتبعه الصين في السياسة الدولية يعطي الصين صدارة على الولايات المتحدة، فإن ذلك أيضاً يلقي نظرة استراتيجية شاملة على الصين، ويرى المخططون الصينيون أن كل شيء يرتبط بكل بشيء آخر. إن السياق المتطور الذي يحدث فيه الوضع الإستراتيجي يحدد ما يدعو إليه شيء. لا يوجد هنالك ترجمة مباشرة لهذا المصطلح ولكن يمكن ترجمته على أنه “الطاقة المحتملة” أو “القوة الدافعة” المتأصلة في أي ظرف من الظروف في لحظة معينة، وهي تشمل الجغرافيا والتضاريس، والطقس، وتوازن القوى، والمفاجأة، والمعنويات، والعديد من العناصر الأخرى. وكما ذكر كيسنجر في كتابه حول الصين عام 2011 أن “كل عامل يؤثر على الآخرين؛ مما أدى إلى تحولات دقيقة في القوة الدافعة والمزايا النسبية”. لذا فإن الاستراتيجي الصيني الماهر يقضي أغلب وقته بصبر، ويقوم بمراقبة التغيرات في المشهد الاستراتيجي ويعمل على صقلها ويتحرك فقط حينما يكون كل شيء في انتظام دقيق؛ وبهذا تكون النتيجة حتمية بالنسبة إليه.

تزويد قاذفة أميركية بالوقود فوق المحيط الهادي، أغسطس 2017، رويترز.
تزويد قاذفة أميركية بالوقود فوق المحيط الهادي، أغسطس 2017، رويترز.

إن حرب الاستراتيجيين الصينيين هي في المقام الأول نفسية وسياسية، وقد يكون تصور الخصم للحقائق على الأرض بالقدر نفسه من الأهمية للحقائق نفسها، وفيما يخص الصين الإمبراطورية، فإن خلق صورة الحضارة وإدامتها ووضعها في مقام أعلى بحيث تمثل “مركز الكون” عملت على ردع الأعداء من تحدي الهيمنة الصينية؛ لذا فإن سرد ازدهار وتقدم الصين الحتمي اليوم من جهة وسرد انحدار الولايات المتحدة من جهة أخرى يؤدي دوراً مماثلاً.

سعى الصينيون إلى تحقيق النصر ليس في معركة حاسمة، ولكن من خلال خطوات تدريجية تهدف إلى تحسين موقعهم تدريجياً، أوضح ديفيد لاي -الخبير في الشؤون العسكرية الآسيوية- هذا النهج من خلال مقارنة لعبة الشطرنج الغربية مع ما يعادلها الصينية وتسمى الشوغي (وفي بعض الأحيان تسمى الذهاب). في الشطرنج، يسعى اللاعبون إلى السيطرة على مركز الشطرنج وقهر الخصم، أما في الشوغي، فيسعى اللاعبون إلى تطويق الخصم. إذا تم رؤية سيد الشطرنج على بعد خمس إلى ست خطوات أمامية، يتم رؤية سيد الشوغي بعد عشرين إلى ثلاثين خطوة إلى الأمام؛ ومن أجل الاهتمام بأبعاد العلاقات واسعة النظاق مع الخصم، يقاوم الاستراتيجي الصيني الاندفاع السابق لأوانه لتحقيق النصر؛ من أجل بناء مصلحة وفائدة تتطور تدريجياً، وقد أوضح لاي في تحليلٍ لعام 2004 لمعهد الدراسات الاستراتيجية التابع لجامعة الحرب الأميركية، أنه “في التقاليد الغربية، هناك تركيز كبير على استخدام القوة، ويقتصر فن الحرب إلى حدٍ كبير على ساحات القتال، أما طريقة القتال فهي تتبع الإكراه على العنف. وعلى النقيض من ذلك، فإن الفلسفة وراء طرح فكرة الشوغي، هو التنافس على المكاسب النسبية بدلاً من السعي إلى التدمير الكامل لقوات الخصم، وفي ملاحظة حكيمة، يحذر لاي قائلاً : “الخطورة هي أن تلعب لعبة الشوغي وأنت تحمل طريقة تفكير لاعبي الشطرنج”.

دعونا نعقد صفقة

ستفعل واشنطن ما باستطاعتها للاستجابة لهذا التحذير، وفي السنوات القادمة، فإن أي مشكلة تحدث من الممكن أن تؤدي إلى إشعال الأزمة في العلاقات الأميركية الصينية، بما فى ذلك مزيدٍ من النزاعات الاقليمية حول بحر الصين الجنوبي والتوترات حول برنامج كوريا الشمالية للأسلحة النووية، وبما أن الكفاءة والقدرات العسكرية للصين تتطلب على الأقل عقداً أو أكثر لتتطابق مع نظيرتها الولايات المتحدة، فإن الصينيين يكونون حذرين حول أي استخدام مميت للقوة ضد الأميركان. وستعامل بكين القوة العسكرية على أنها أداة ثانوية في سياستها الخارجية التي لا تسعى إلى الانتصار في المعركة، بل تسعى إلى تحقيق أهداف وطنية؛ وستعزز علاقاتها الدبلوماسية والاقتصادية مع جيرانها، وتعمق اعتمادها على الصين، وتستخدم النفوذ الاقتصادي لتشجيع التعاون (أو الإكراه) على قضايا أخرى. وعلى الرغم من أن الصين تنظر إلى الحرب كملجأ أخير، فإنها إذا استنتجت أن مجرى الأمور لم تعد تتحرك لصالحها، وأنها تفقد القدرة التفاوضية، فإنها يمكن أن تبدأ نزاعا عسكرياً محدوداً لمحاولة عكس الاتجاهات.

كانت المرة الأخيرة التي تواجه بها الولايات المتحدة مخاطر فخ ثيوسيديدس خلال الحرب الباردة ولاسيما خلال أزمة الصورايخ الكوبية؛ وبسبب تداعيات الأزمة بعد بضعة أشهر من إنتهائها، تطرق جون كينيدي إلى درس ثابت وهو “قبل كل شيء، يجب على القوى النووية -في الوقت الذي تدافع فيه عن مصالحنا الحيوية- أن تتفادى تلك المواجهات التي تجلب الخصم إلى اختيار إما الانسحاب المذل وإما الحرب النووية”. وعلى الرغم من الخطاب المتشدد الذي اتخذته موسكو، خلص رئيس الوزراء السوفيتي نيكيتا خروتشوف في نهاية المطاف إلى أنه يمكن أن يتنازل عن الأسلحة النووية في كوبا، وبالمثل، اكتشف كيسنجر ونيكسون في وقت لاحق أن الأيديولوجي الصيني ماو كان بارعاً جداً في إعطاء قاعدة أساسية تخدم مصالح الصين.

قدم كل من شي والرئيس الأميركي دونالد ترامب مطالب متطرفة، ولاسيما فيما يخص بحر الصين الجنوبي، لكن كلاهما أيضاً صانعو الصفقات، وكلما فهمت إدارة ترامب بنحوٍ أفضل كيف ترى بكين دور الصين في العالم والمصالح الأساسية للبلاد، كان الإعداد للتفاوض أفضل بكثير، ولا تزال المشكلة تعمل على الإسقاط النفسي فحتى المسؤولون في وزارة الخارجية المتمرسون يفترضون على نحو خاطئ من أن المصالح الحيوية للصين تعكس مصالح الولايات المتحدة. إن المسؤولين الذين يصنعون الآن نهج إدارة ترامب تجاه الصين عليهم قراءة فلسفة الفيلسوف الصيني القديم سون-تزو التي تقول: “إذا كنت تعرف العدو وتعرف نفسك، فلا داعي للخوف من نتائج المئات من المعارك. أما إذا كنت تعرف نفسك ولا تعرف العدو، فإن كل انتصار تحققه ستعاني فيه أيضاً من الهزيمة، وإن كنت لا تعرف نفسك ولا تعرف العدو فإنك ستستسلم لكل معركة”.


 

المصدر:

https://www.foreignaffairs.com/articles/united-states/2017-08-15/china-vs-america

[1]. TED Talk: سلسلة من المؤتمرات العالمية التي تهدف إلى تعريف الافكار الجديدة والمتميزة ونشرها للعالم وترعاها “مؤسسة سابلنج الأمريكية”.