back to top
المزيد

    الاقتصاد العراقي: مراجعة في ظل تداعيات الحرب على إيران وما بعدها

    في جلسة نقاشية عقدها مركز البيان للدراسات والتخطيط، اجتمع نخبة من الاقتصاديين والأكاديميين والباحثين لتحليل تداعيات الحرب وإغلاق مضيق هرمز على الاقتصاد العراقي. أدار الجلسة الدكتور سلام شهاب، الذي افتتحها بالتأكيد على أن العراق كان من أشد الاقتصادات تضرراً في المنطقة، متسائلاً: هل الاقتصاد العراقي يعاني من أزمة جيوبولتيكية أم سوء إدارة اقتصادية؟ هذا المقال يستعرض أبرز المحاور التي نوقشت، مع إيراد نصوص من مداخلات المتحدثين.

    أولاً: حجم الخسائر والتداعيات المباشرة للإغلاق

    أشار الدكتور سلام جبار شهاب إلى أن صندوق النقد الدولي توقع تراجع الاقتصاد العراقي بنحو -8.6% خلال العام، مع احتمال وصول التراجع إلى 17% إذا استمر الإغلاق. وقال: “الخسائر كانت بحدود 5.5 مليار دولار حسب ‘فايننشال تايمز’ لشهر آذار/مارس. صادرات العراق تراجعت بحدود 93% عما كانت عليه في شهر شباط”

    كما لفت إلى أن نظام “الأسيكودا” الجمركي الجديد تعطل، مما كبد العراق خسائر قدرت بـ 147 مليار دولار، وأكد أن هرمز لن يعود كما كان، بل سيكون جزءاً من معادلة دولية جديدة.

    من جهته، وصف د. لؤي الخطيب الوضع بأنه “أسوأ من سنوات الحصار”، مشيراً إلى أنه في الحصار كان هناك برنامج “النفط مقابل الغذاء” وعدد سكان أقل، أما اليوم فالوضع أكثر تعقيداً.

    ثانياً: هشاشة الاقتصاد العراقي والاعتماد على منفذ واحد

    أجمع المتحدثون على أن الاعتماد المطلق على مضيق هرمز لتصدير النفط هو “الطامة الكبرى”، كما وصفها د. سلام. وقال الدكتور عبد الرحمن المشهداني، “إيران دولة تمتلك الموارد والقدرات، دول الخليج كلها ليس لديها مشكلة؛ السعودية حلت الجزء الأكبر من مشاكلها. نحن دخلنا الحرب كأننا ‘مخدة’ بين طرفين متصارعين. الصاروخ التائه يأتي إلينا، والطائرة التائهة تأتي إلينا” وأضاف أن الدين الداخلي ارتفع بشكل كبير.

    أما د. حامد رحيم فشخص الخلل بأنه ليس بنيوياً، بل إداري فاسد، قائلاً؛ “العراق يمتلك موارد هائلة (إيراداته فاقت 1.5 تريليون دولار بعد 2003)، ويمتلك طاقة بشرية ومنظومة علاقات دولية ممتازة. المشكلة إدارة فاشلة، بل فاسدة” ودعا إلى عزل القرار الاقتصادي عن السياسي، مشيراً إلى أن منع العراق من الوصول إلى البحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط كان قراراً سياسياً بفعل أجندات إقليمية.

    ثالثاً: أزمة الرواتب والتمويل والاحتياطي

    تناول المتحدثون أزمة تمويل الرواتب في ظل توقف الصادرات النفطية. أكد الدكتور لؤي الخطيب أن أي مساس بالاحتياطي النقدي سيؤدي إلى انهيار قيمة الدينار؛ اذ قال “بمجرد البدء بطباعة العملة والمساس بالاحتياطي النقدي، فالذي يستلم 5 ملايين ستصبح قيمتها أقل من 500 دولار”

    من جانبه، اقترح د. علي دعدوش تمويلاً نقدياً إلكترونياً عبر خصم حوالات الخزينة لتقليل التضخم، وقال: “طرحت فكرة التمويل النقدي الإلكتروني، خصم حوالات الخزينة بشكل إلكتروني حتى يقلل التضخم ويقنن استهلاك الدولار”

    أما الدكتور أحمد الهذال فلفت إلى أن البنك المركزي لديه احتياطيات 91 مليار دولار، لكنه محكوم بقانون يمنع إقراض الحكومة، وقال: “البنك المركزي ليس لديه القدرة على الاستمرار في التمويل لأنه محدد بالقانون رقم 56 الذي يحظر إقراض الحكومة. التمويل يجب أن يكون مشروطاً بتطبيق برنامج إدارة مالية متكامل”

    رابعاً: الحلول المقترحة – قصيرة ومتوسطة وطويلة المدى

    الحلول قصيرة المدى:

    دعا الدكتور باسم البدري إلى التفاهم مع إيران لمرور الناقلات العراقية، قائلاً: “الحل الذي يشبه ‘عصا موسى’ الآن هو إيجاد وسيلة تفاهم مع الجمهورية الإسلامية لمرور ناقلات النفط التي تنقل النفط العراقي”

    أما الباحث فراس مكية فأكد على ضرورة تخفيض الإنفاق أولاً: “في الأزمات أول ما أتكلم عنه هو تخفيض الإنفاق. الميزانية التقليدية إذا أسعار النفط منخفضة صارت التشغيلية 100 إلى 120% من الواردات. هذه إشكالية إنفاق اشتراكي 100%”

    الحلول متوسطة وطويلة المدى:

    تحدث الدكتور لؤي الخطيب عن ضرورة إنشاء خزن استراتيجي للنفط قرب الأسواق العالمية (50 مليون برميل) للمناورة أيام الحرب والسلم، ودعا إلى مراجعة سلم الرواتب: “يجب مراجعة سلم الرواتب بشكل جذري، بدءاً من الرئاسات والوزراء والدرجات الخاصة، ليكونوا قدوة للمواطن”

    أما الدكتور حامد رحيم فأكد على ضرورة تنويع منافذ التصدير، وانتقد عدم امتلاك العراق أسطولاً ناقلاً: “لو كان العراق يمتلك أسطولاً وطنياً، لكانت القيمة المضافة من النقل يحصل عليها العراق. أفسر عدم وجوده بالعمولات والاتفاقات ‘من تحت الطاولة”

    واقترح الدكتور علي عبد الرحيم الاعتماد على “سلة عملات” بدلاً من الدولار وحده، مشيراً إلى أن 70% من تعاملات العراق مع الصين والهند.

    خامساً: طريق التنمية وميناء الفاو – حلم أم واقع؟

    تساءل الدكتور سلام شهاب عن مصير طريق التنمية وميناء الفاو. فرد الدكتور لؤي الخطيب بأنها مشاريع طويلة الأمد، بينما نحن بحاجة لحلول آنية. وأضاف الباحث هاشم الحسيني: “طريق التنمية ضرب من الخيال؛ لا توجد اتفاقات رسمية مع تركيا بهذا الخصوص، والسفير التركي صرح بذلك علناً. كما أنه يعتمد أصلاً على مضيق هرمز”

    أما الدكتور لؤي فانتقد عدم قراءة الحكومة للتحذيرات المبكرة، مشيراً إلى أن الإمارات بدأت بمد خط حبشان – فجيرة عام 2006 استجابة لتهديدات أحمدي نجاد، بينما العراق ظل غافلاً رغم التحذيرات منذ 14 عاماً.

    سادساً: أزمة الغذاء والزراعة والأمن الغذائي

    أكد الدكتور باسم البدري، أستاذ السياسة الزراعية، على أهمية الأمن الغذائي، لكنه استغرب تعامل الدولة مع نفسها: “نحن نريد أمنًا غذائيًا، وعموده الفقري هو إنتاج القمح في العراق. وزارة الزراعة منذ سنة لم تمنح منتجي القمح مستحقاتهم. كيف أشجع المنتج وأنا أوقف مستحقاته؟”

    كما أشار الدكتور عبد الرحمن المشهداني إلى أن إيران تمتلك اكتفاءً ذاتياً صناعياً وزراعياً، بينما العراق يعاني من التضخم حتى في السلع الأساسية: “بمجرد غلق منفذ الشلامجة وصل سعر الطماطم إلى 3 آلاف!”

    سابعاً: جدلية الديمقراطية والتنمية – نقاش مفتوح

    أثار الباحث هاشم الحسيني سؤالاً جريئاً: “بعد هذه التجربة، هل فكرة ‘الديمقراطية مقابل التنمية’ فكرة جيدة؟” وتساءل إن كانت الدكتاتورية قد تحقق تنمية أفضل مما نراه. ورد عليه الدكتور صادق البهادلي قائلاً: “هناك فرق بين الدكتاتورية والطغيان. كوريا الجنوبية بنتها ثلاث حكومات دكتاتورية، لكنها استخدمت القروض في مشاريع مدرة للدخل. مشكلة العراق كانت في الطغيان”

    خاتمة: أين المخرج؟

    خلص المشاركون إلى أن العراق يعاني من أزمة هيكلية متراكمة، كشفتها الحرب ليس فقط في قطاع النفط، بل في كل مفاصل الدولة. الحلول السريعة غير موجودة، والإصلاحات الحقيقية تتطلب إرادة سياسية وجرأة على مواجهة الشعب بخطاب صريح.

    وفي ظل استمرار التهديدات بإغلاق المضيق، يبقى العراق أمام اختبار حقيقي: إما أن يتحول إلى دولة تتعلم من أزماتها وتنوع مواردها ومنافذها، أو يظل رهينة لموقع جغرافي وسياسات رد فعل.

    للاطلاع ومتابعة تفاصيل الجلسة بشكل كامل اضغط على الرابط الاتي