الاقتصاد السياسي للحرب الصهيونية–الأمريكية على إيران: التكاليف، الرابحون والخاسرون، والسيناريوهات
د. محمد ياس خضير/ معهد العلمين للدراسات العليا
د. حسن لطيف كاظم / جامعة الفرات الأوسط التقنية
تعدّ الحرب أقدم وسيلة تلجأ إليها أطرافها، وإحدى الوسائل المهمة التي تعتمدها القوى المتحاربة لتحقيق غايات وأهداف متنوعة؛ فالبعض منها تكون غاياتها دفاعية، وأخرى تكون هجومية لتحقيق أهداف سياسية واقتصادية وعسكرية. وقد تكون في مدياتها خاطفة–سريعة، وقد تكون طويلة–مستمرة، إلا أن الحروب، بالرغم من قدمها، تغيّرت وتحولت في أهدافها ومضامينها ومدياتها وأدواتها؛ ولعل مردّ ذلك يعود إلى جملة من الأسباب والعوامل، وفي مقدمتها تكاليف الحرب.
إن التطور اللافت في حروب الوقت الراهن هو زيادة التكاليف نتيجة الاستخدام المفرط للتكنولوجيا في تلك الحروب؛ فتحقيق الغايات المنشودة منها يتطلب من أطرافها تسخير الإمكانات العالية المتوفرة والسعي إلى استخدام التكنولوجيا المتطورة لتحقيق غايات الحرب، وأن تكون خاطفة، وألا تتحول إلى حرب استنزاف للموارد؛ إذ أضحى اليوم أن الحرب الطويلة المقترنة بالتكنولوجيا عالية التطور مكلفة جداً، وقد تؤدي بنتائج ارتدادية عكسية للأطراف المتحاربة.
إن الحرب الأمريكية–الصهيونية على إيران تعدّ من أكثر الحروب تطوراً وحداثة؛ كونها ترتبط بأطراف تمتلك تكنولوجيا متقدمة في تحقيق الاستهداف المباشر للأهداف، ولعل ذلك واضح في طبيعة الاستهدافات التي تحدث؛ فمنطق تلك الحرب يقوم على نظرية أساسية ترتبط باستهداف مراكز التحكم والسيطرة من خلال استهداف القيادة العليا لتحقيق إرباك للخصم وتركه بدون قيادة وسيطرة تمهيداً لاستسلامه، وهذا كان واضحاً في طبيعة الاستهدافات التي تحصل والتي بدأت في لبنان، ومن ثم فنزويلا، وأخيراً إيران.
إلا أن اللافت في مجريات الحرب أن نظرية الهجوم التي تستند إليها الولايات المتحدة والكيان الصهيوني لم تحقق الغاية الأساسية؛ إذ إنه، بالرغم من حجم الاستهداف الكبير للقيادة الإيرانية، إلا أن إيران قد أفشلت تلك النظرية المرتبطة بالفكر الاستراتيجي الأمريكي–الصهيوني في تحقيق استسلام سريع في إيران، وذلك يرجع إلى طبيعة النظام السياسي الإيراني الذي يقوم على مؤسسات مختلفة تعمل الآن بشبه استقلالية في تنفيذ استهدافات عسكرية، الكثير منها يوضح أنها استهدافات مدروسة وبخطة مسبقة وحققت فاعلية لحد هذه اللحظة.
لقد اعتمدت إيران على استراتيجية تشظّي الحرب من خلال تنويع الاستهداف لمصالح وأهداف مختلفة يمكن أن يؤدي بالنتيجة –بحسب التصور الإيراني– إلى تحقيق ضغط مباشر لا يمكن تجاوزه من قبل الولايات المتحدة والكيان الصهيوني. ولعل أهم ما في ذلك سعي إيران إلى تعظيم تكاليف الحرب. صحيحٌ أنه وفق منطق نظرية الألعاب الصفرية في المعادلة يوجد طرفان؛ الأول يسعى لتعظيم مكاسبه (الولايات المتحدة–الكيان الصهيوني)، والثاني يسعى لتقليل خسائره (إيران)، إلا أن الأخيرة تسعى لتقليل فارق التكاليف من خلال توسيع مجالات الحرب واستغلال حالة التكاليف المتصاعدة عبر تعطيل حركة الاقتصاد العالمي أو التأثير فيه؛ ابتداءً من استهداف دول الخليج العربية والصناعات النفطية، وصولاً إلى غلق مضيق هرمز، والذي كان له أثر واضح في التأثير في خطوط إمداد الطاقة العالمية. وكان هذا الأمر واضحاً من خلال ردّ الفعل الذي ظهر على سلوك الولايات المتحدة الأمريكية في سعيها لمنع إيران من استغلال تلك الميزة وبقاء إيران في حالة تعظيم الخسائر.
تحاول هذه الورقة البحث في موضوع أصيل يتعلق بالاقتصاد السياسي للحرب، وما الذي يمكن أن تفضي إليه من تداعيات محتملة على الاقتصادين العالمي والإقليمي في حالة استمرار المعطيات الحالية، على وفق سيناريوهات متنوعة بحسب مدتها.