المؤشرات تولِّد انطباعاً إلى أن النظام النقدي العالمي يمرّ بمرحلة انتقالية، وأن ارتفاع أسعار الذهب يشير إلى إجراءٍ تحوطيٍّ ضد تقلبات العملة، ومنها الدولار، وأن اللجوء إلى مخزن القيمة السلبي يُعدّ ملاذاً آمناً، مقابل التوسع في الإنفاق الاستثماري؛ فمؤشرات التضخم تطغى على معدلات الفائدة. وفقاً لذلك، تشير المراجعات إلى أن المُعجِّلات السعرية للذهب قد تم تثبيتها بصورة نظامية، مما يوحي بإنشاء مناخ نقدي جديد، لا سيما بعد ملاحظة التراجع في الدولار كعملة تسوية مقبولة في التعاملات العالمية، مع ظهور الأسواق الناشئة وتنوع مراكز النمو، والتحوط بالذهب من تراجع قيمة الدولار.
وفقاً لذلك، قد تنقلب الأمور رأساً على عقب، بمعنى أن تتجه إدارة الرئيس ترامب إلى إعادة تقييم الذهب (السعر الدفتري) بدلاً من 42 دولاراً للأونصة وتعويمه ليقفز إلى ما فوق 5 آلاف دولار. هذا سيوفر للإدارة الأمريكية فرصةً لتغطية الدين البالغ أكثر من 30 تريليوناً، كما أن انخفاض أسعار الفائدة يولِّد قدرة تنافسية للبضائع الأمريكية، وفرصةً للتصدير بدلاً من سيولة المنتجات المصنعة في الخارج. بالمقابل، فإن هذا النهج سيدفع ببروز مسار آخر، وهو إصدار العملات المشفرة (الدولار الرقمي وأخواته)، مما يخفض الديون التقليدية المترتبة على الولايات المتحدة، ويعجِّل من الانهيار الاقتصادي لكثير من دول العالم بفعل التضخم الجامح. ستعالج الولايات المتحدة أوضاعها من خلال اعتماد الدولار الرقمي كأساس للتسوية الدولية، مستخدمةً الميزة المطلقة التي تتمتع بها، وهي الأمن السيبراني العالي ومحطات التعدين الرقمي في أراضيها، ما يجعلها تكتسب زخماً في اختراق أي عملة رقمية لا تصدر من أراضيها. وكإجراءٍ تحوطي، ستلجأ البنوك المركزية إلى اعتماد الدولار الرقمي كأداة تسوية، بدلاً من العملات الرقمية الأخرى. هذا الإجراء سيعطي للولايات المتحدة ميزة إطفاء الديون العالمية المترتبة بذمتها بفعل خفض قيمة الدولار، وإلغاء اعتماد الذهب كأداة لتقييم العملات، ليحلّ محلَّه العملات الرقمية المؤمَّنة والمحصَّنة وفقاً لأنظمة تشفير متقدمة (أنظمة أمن الفضاء الرقمي)، والمقوَّمة بسندات الخزانة الأمريكية.
وفقاً لذلك، وباعتبار أن العراق من بين الدول التي تعتمد الذهب احتياطياً نقدياً وأداة تسوية، إلى جانب كونه مصدراً للقيمة بالنسبة إلى العملة الوطنية العراقية، فإن ما ورد أعلاه قد يترتب عليه خسائر للعراق، من بينها تراجع موجوداته (القيمة الفعلية) من الدولار إلى النصف، وقفز أسعار المستهلك بفعل التضخم، وربما انهيار العملات الدولية لبعض الدول. هذا الأمر يفرض على العراق أن يجد لنفسه مناخاً إقليمياً ودولياً يحافظ على نظامه الاقتصادي، من خلال التحالفات في التكتلات النقدية، وإنتاج الدينار الرقمي العراقي، وبناء التحالفات الرقمية مع البنوك المركزية العالمية، وحتى مع الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي. وسيحتاج العراق إلى تعديل نمط تجارته، والدخول في أنظمة اقتصادية، منها دول البريكس، وإيجاد نظام للتسوية الرقمية مع الدول التي تتعامل معه، والحفاظ على مستوى استهلاكي مدعوم يحافظ على استقرار السوق من الانهيارات المحتملة.




