لا يتوافر تحت اليد الكثير ممّا يؤرخ لمفهوم “الدولة الفاشلة“، وأسباب ظهوره أو تعريفاته المحدّدة، بما يكفي لغرض الإحاطة به بوصفه مصطلحًا شاع توظيفه غربيّا مع نهايات الحرب الباردة، وكذلك شيوعه في حقبة القُطب الواحد التي افتتح بها العالم آخر عقد من القرن العشرين، ومازال هذا القطب يخوض الصراع تلو الآخر، من أجل البقاء في هذه الحقبة.
وعلى الرغم من أنّ المعاني التي يحملها مصطلح “الدولة“ وحده، هي الأخرى قد تعرّضت للتبلور والتراكم والإضافة بشكل واسع، وصولًا إلى ما بتنا نفهمه اليوم من معنى للدولة فإنّ مفهوم الفشل ومعانيه وصفاته قد دخل حديثًا جدًا في إطار القياس والكشف والاستقراء العلميّ، ضمن حزم واسعة من التطبيقات العالميّة للعلاقات الاقتصاديّة والتنمويّة الحديثة.
لكننا، بوصفنا أبناء الشرق الأوسط، الذي شهد ولادات حديثة للدول، بتوصيفاتها الغربيّة، وبمواصفاتها الخرائطيّة، واقتباسات تنظيمات الحُكم فيها، نعيش يوميًّا مع هذا المفهوم ومؤشّراته، ليس لأنّنا من مُدمني الفشل أو أنّنا أقلّ ذكاءً! من مجتمعات الدول الناجحة التي توصف بأنّها ناجحة، إنّما لأنّ المركزيّة الأوروبية فرضت بشكل متعدد الأوجه وعبر مراحل تاريخيّة مؤثّرة، مفاهيمها في الاقتصاد، والسياسة، وترتيب هرم السلطة وكلّ مقاييس الحداثة، على مُستعمراتها السابقة، بالإضافة إلى نظام الهيمنة العالميّ الذي أسّست له، بينما كانت تخوض حربين عالميّتين هائلتين في الآثار والعواقب وعدد الضحايا.
وباتت المركزيّة الأوروبيّة بكلّ أذرعها الثقافيّة والفكريّة والاقتصاديّة تتعامل مع هذه الدول الحديثة من منطلق موقف السّيّد روبنسون كروزو والشاب الأفريقيّ السيد فرايدي في الرواية المعروفة لدانييل ديفو، أيّ الطرف الذي يعرف كلّ شيء، بإزاء الطرف الذي عليه أن يعرف كلّ شيء (فقط) من خلال الطرف الأول.
وسار هذا الحال مستمرّا، لتغيب عن الفضاء السياسيّ والاقتصاديّ قضيّة أن المستعمرات كانت وما تزال بالأصل بُلدانًا مُكتملة المعاني قبل أن تكون دولًا بالمعنى المفاهيميّ الأوروبيّ الويستفالي، بلدان لها امتداد حضاريّ وتاريخيّ مؤثّر أكبر بكثير من مُستعمريها.
إنّ دويلات المدن التي ظهرت في أرض الرافدين منذ خمسة آلاف عام بوصفها أولى الدويلات في التاريخ، كانت كيانات تنظيميّة سياسيّة واقتصاديّة، وعسكريّة في الوقت نفسه، إلّا أنّها حملت معها الكثير من مواصفات الدولة الحديثة التي نظّر إليها في ما بعد أمثال ماكس فيبر، ويستند الكتاب هنا لهذه التنظيرات لتمييز المنظّمة أو مؤسّسة الدولة التي تنسب إليها معايير القدرات.
لكن، بالنهاية هذا هو الحال الذي سارت عليه الأمور، وصرنا كمشرقيين، نتقفى مفاهيم الفشل في منظومة دولنا الحديثة كما تعرّفه الأدبيّات والدراسات الغربيّة، ونحن بحاجة واضحة لتخطّي الفشل، وبناء قدرات الدولة على وفق النظام العالميّ الحديث وأفكاره عن مفهوم القدرات.
أقدّم هذا المدخل، من أجل توفير أرضيّة نفهم من خلالها اختصاص الكتاب؛ إذ تبرز “قدرات الدولة” بوصفها الغاية والمسعى في آن واحد، من أجل إحراز التنمية في إطارها الحديث وفي معانيها الغربيّة تحديدًا.
وصحيح أنّ البعد التاريخيّ لا يمكن إغفاله في مسألة بناء القدرات، وهذا ما نجده حاضرًا في السياق النظريّ الذي يصوغه مؤلفو الكتاب الثلاثة، إلّا أن تعليق الفشل “حتى بمعاييره المركزيّة الأوروبيّة المنشأ” على السهم التاريخيّ والمؤثّرات التي طرأت خلال خط الزمن، هو أمر فيه الكثير من التستّر على أسباب الفشل المحلّيّة المنشأ والمتاحة أمامنا للتمييز؛ بمعنى: أن الكتاب يختص بطرائق تمييز ومعالجة “الفشل“، والمقاربة الحديثة لهذه المعالجة، المبنية على أسس علميّة ومعرفيّة وتجريبيّة، لكنّه يعزل البعد التاريخيّ لأسلوب المعالجة، ويطرح فكرة التجريب ومفهومه بوصفه منهجًا يسمّيه بـ “التكيّف النمطيّ التكراريّ القائم على المشكلات/PDIA“، بوصفه مسارًا يأخذ البعد التاريخيّ للمشكلة بعين الاهتمام، ويضع عمليّة التكرار والتعلّم والتجريب، كأقطار لدائرة واحدة من العمل، الذي نجح بالفعل في تخطّي استعصاء أو متلازمة الفشل.
وهذا الكتاب، يختص في تحديد هذا المعنى بروحه وعينه وأبعاده.
نجد أنّ ثلاثة من الخبراء الدَوليّين؛ مات آندروز، لانت بريتشيه، مايكل ولكوك، يتفقون على وضع تجربتهم الدَوليّة في متن هذا الكتاب، من أجل تصوير الممكن من أساليب بناء قدرات الدولة، على ضوء تجربتهم في البلدان التي عانت فشلاً وشهدت تقدمًا فيما بعد، ضمن مضامير محدّدة لحل المشكلات.
يحمل الكتاب أبعادًا جديدة، تمتد فيها جذور القرارات التي تحكم بفشل أو نجاح المهمة المطلوبة من المنظّمة، و الوزارة، أو المؤسّسة الحكوميّة، في إطار معيّن يشكل جزءًا من قرارات الدولة وقدراتها.
لقراءة وتحميل الكتاب اضغط هنا




