عصام القيسي / كاتب وباحث يمني
مهنّد الحاج علي / نائب مديرة المركز لشؤون الأبحاث في مركز مالكوم كير–كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت، يركّز عمله على السياسات الجغرافية المتغيّرة والجماعات الإسلامية عقب الانتفاضات العربية.
ملاحظة: نشرت هذه الدراسة بتاريخ 28 آب/أغسطس 2025 على موقع مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي الالكتروني.
في الشرق الأوسط، غالباً ما يرتبط النشاط المناخي بتصاعد المظالم العامة إزاء ما يُنظر إليه بوصفه إخفاقات في الحوكمة، فضلاً عن الصراعات الإقليمية والوطنية المستمرة. ولا يُعَدّ العراق واليمن من أكثر البلدان هشاشة أمام التغيّر المناخي فحسب، والمتفاقمة آثارُه بسبب ما يبدو أنه فساد بنيوي متجذّر في الدولة، بل تحوّلا أيضاً إلى ساحات رئيسية للمواجهة الإقليمية الجارية بين إسرائيل ومحور إيران منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023.
ففي العراق مثلاً، أفضت الاشتباكات بين الفصائل المدعومة من إيران والقوات الأميركية والإسرائيلية-وهي انعكاس لعدم الاستقرار الأوسع ولإخفاقات الحوكمة-إلى تمكين تركيا وإيران من استغلال الموارد المائية للبلاد. أمّا في اليمن، فقد عطّلت جماعة أنصار الله (المعروفة بالحركة الحوثية) حركة الملاحة الدولية في البحر الأحمر وهاجمت إسرائيل، مما عمّق عزلة البلاد وزاد هشاشتها الأمنية. ويواجه البلدان أيضاً واقع التشرذم السياسي، إذ يضمّ العراق ضمن بنيته الفيدرالية إقليماً شبه مستقل، فيما يبقى اليمن منقسماً بين فصائل متناحرة.
إن استمرار الصراع المسلّح والانقسام السياسي يوجّهان تجربة البلدين مع التغيّر المناخي، كما يشكّلان استجابات المواطنين له. ويواجه العراق واليمن أزمات بيئية حادّة تشمل ارتفاعاً شديداً في درجات الحرارة، وتناقصاً في مصادر المياه، وانحساراً في الزراعة. غير أنّ التغيّر المناخي في السياق الراهن لا يُعَدّ تحدّياً منفصلاً، بل يتقاطع مع إخفاقات الحوكمة المتراكمة والتحوّلات الجيوسياسية غير المواتية. فقد أخفقت الحكومات المتعاقبة في إدارة الموارد الطبيعية، والاستثمار في البنى التحتية المستدامة، وحماية المجتمعات الهشّة. وفي كلا البلدين، أصبح التغيّر المناخي متداخلاً مع حالة السخط الشعبي إزاء الفساد المُتصوَّر، والتهميش، وتآكل شرعية الدولة.
وفي مواجهة ذلك، برز النشاط المناخي في العراق واليمن ليس كأداة للمرافعة البيئية فحسب، بل أيضاً كوسيلة للتعبير السياسي في ظلّ الصراع والهيمنة، ومع تضييق المجال المدني. وغالباً ما يتضاعف الحراك البيئي في البلدين ليشكّل مطلباً بالمحاسبة والإصلاح، حتى عندما يُطرح ضمن أُطُر تقنية أو محلية. ويسلك الناشطون والمواطنون دروباً محفوفة بالمخاطر (بين القمع والمراقبة أو انهيار المؤسسات)، ومع ذلك يواصلون التنظيم والعمل. ففي العراق، ربطت فئات شبابية ومنظمات مجتمع مدني بين القضايا البيئية والحركات الاحتجاجية الأوسع التي تتحدّى فساد الدولة وإفلات الميليشيات من العقاب. أمّا في اليمن، حيث انهارت الحوكمة الرسمية إلى حدّ كبير، فإن المبادرات البيئية تُواصل عبر شبكات غير رسمية، وجهود التثقيف المجتمعي، والإغاثة المحلية. وتعكس هذه الحركات تعاظم الصلة بين البقاء البيئي والصوت السياسي.
إن دراسة النشاط المناخي في هذين البلدين الهشّين تتيح فهماً أعمق لكيفية تشكّل السياسات البيئية في ظلّ النزاع والحوكمة المفككة. فبدلاً من أن يكون هذا النشاط هامشياً أو لا سياسيّاً، فإنه يمثّل جزءاً من نضالات أوسع من أجل الكرامة، وسبل العيش، والمشاركة الديمقراطية-وهي نضالات باتت تشكّل عنصراً محورياً لمستقبل الجنوب العالمي. وعندما يتحدّث الناشطون عن التغيّر المناخي، فإنهم يسلّطون الضوء على عنصر بارز من الاستمرارية مع النضالات الجارية ضد الحوكمة العاجزة.




