شكلت زيارة ملك الأردن عبد الله الثاني الى بغداد في كانون الثاني 2019 حدثاً مهماً وخطوة للأمام في إطار محاولات إذابة الجليد عن العلاقات بين البلدين الجارين، وتعدّ الزيارة الأولى لملك عربي الى بغداد عقب تشكيل 6 حكومات في مرحلة ما بعد صدام، وكانت الأردن أحد البلدان التي أدعت وقوفها على (الحياد) في أثناء حرب الأطاحة بالطاغية عام 2003، ففي عام 2000 كانت أسعار النفط تتراوح بحدود 30 دولاراً لكن صدام حسين كان سخياً مع الأردنيين حيث باع النفط إلى الأردن بـ9.5 دولارات فقط، وهذا ما فسر طبيعة العلاقة (الباهتة والصفراء) التي تم بناءها عقب التحرير، الى جانب الملف الأمني والسياسي المتوتر بين البلدين فإن الجانب الأقتصادي يبدو أفضل منهما حيث يرتبط البلدان بخط دولي يوصل العراق بالبحر الأحمر عن طريق ميناء العقبة فضلاً عن أن للعراق جالية كبيرة تفوق المليون نسمة في بلد لا يتجاوز عدد سكانه 6 ملايين.

مشروع خط الأنابيب

إن فكرة الربط النفطي بين البصرة-عقبة ليست وليدة للظروف والمتغيّرات الجديدة بل هي مشروع قديم لجأ إليه العراق إبان الحرب العراقية – الإيرانية بعد تعرض منشئاته النفطية للقصف والتدمير؛ مما دعا حكومة البعث عن البحث لمنفذ آخر لتأمين أمدادات النفط؛ وبالتالي المحافظة على واردات العملة الأجنبية من أجل الأيفاء بمتطلبات الحرب، تم طرح المشروع عام 1984 وكانت الفكرة تتضمن إنشاء أنبوب قادر على ضخ 1.5 مليون برميل يومياً لكن العراق تنازل عن الفكرة لصالح الأنبوب العراقي – السعودي الذي يربط البصرة بمدينة ينبع؛ ومن ثم إلى البحر الأحمر، وأُوقف الضخ بالخط خلال احتلال العراق للكويت بعد صدور قرار الأمم المتحدة 661 في 6 آب عام 1990 حيث قال السفير السعودي (فوزي الشبكشي) في رسالته إلى كوفي عنان “بعد التهديدات بالعدوان العراقي لم يعد سبب للإبقاء على الأنبوب”.

عودة المشروع إلى الواجهة من جديد

تستورد الأردن النفط من العراق بأسعار تنافسية عن التسعيرة الدولية للخامات البترولية حيث يبيع العراق نفطه (-16) دولار خصم كلف الشحن والمواصلات وأختلاف الكثافات ويغطي النفط الخام العراقي المستورد 7% من حاجة عمان بواقع 10.000 الآف برميل يومياً، وفي آذار عام 2013 أعلن رئيس سلطة منطقة العقبة الاقتصادية “عقد أجتماع عراقي-أردني بمدينة العقبة لماقشة التفاصيل النهائية للخط بين البلدين”، إلا أن الاهتزازات السياسية التي يعاني منها العراق منذ بدء تجربته الديمقراطية واجتياح داعش للموصل ووصوله حتى مشارف بغداد كل هذه الأسباب أدت الى تأجيل المحادثات بشأن الخط، ومع وصول السيد عادل عبد المهدي للسلطة ولكونه وزير نفط سابق له اطلاع بحيثيات المشروع تم التعجيل بعقد الاجتماعات؛ من أجل البدء بالأحالة حيث صرح (عمر الرزاز) رئيس الوزراء الأردني لوكالة الشفق الأردنية “أن العراق والأردن قد أتفقا خلال شهر شباط على ملفات أقتصادية واسعة أهمها قرار إعفاء 344 سلعة أردنية من الرسوم العراقية الكمركية ومشروع أنابيب النفط والمنطقة الصناعية المشتركة والنقل والكهرباء وتكنولوجيا الاتصالات”، قابلت الأردن الأنفتاح العراقي بحسن نية حيث سلمت السلطات الأردنية في نيسان عام 2019 الأمين العام السابق لوزارة الدفاع (زياد القطان) المتهم بأختلاس أموال عامة بناء على مذكرة صادرة من الأنتربول كما أعلنت عمان خصومات بنسبة 75% من الرسوم التي تتقاضاها سلطة العقبة على البضائع المتوجهة الى العراق.

الجانب الفني في المشروع

قالت وزيرة الطاقة الأردنية (هالة زواتي) “إن الخطوات المقبلة ستشهد مد الأنبوب من الرميلة في البصرة الى منطقة العقبة بطول 1700 كم” وكان السيد (ثامر الغضبان) وزير النفط العراقي السابق قال “إن العراق أكمل الترتيبات اللازمة لأعمال بناء خط الأنابيب ومكوناته وقدرته الأستيعابية وآليات ربطه بحقول كركوك ومصادر التمويل ووسائل التنفيذ والتشغيل”، وسيتم تنفيذ الخط وفق عقود الـBOOT  “وهو نظام يتضمن البناء والتشغيل والأستثمار لمدة زمنية ومن ثم نقل الملكية”، وكانت وزارة النفط العراقية حددت أيار 2020 أخر موعد لأستلام العقود الفنية من الشركات المؤهلة، يمتد الخط من الرميلة الى حديثة بطول 700 كم، وسيربط مع حقول كركوك وضخ مليون برميل يومياً من خلالها الى أن يتم أكمال الربط مع محطة الـK3 في حديثة وضخ خام البصرة، كذلك توجد على الخط 7 محطات ضخ عملاقة ستة منها في داخل العراق وثلاثة في داخل الأردن وتتراوح كلفة المشروع من 5-18 مليار دولار فيما إذا أضيف خط أخر لنقل الغاز بطاقة 100 مقمق كمرحلة أولية.

خريطة توضح الإضافات والتطويرات التي من الممكن أضافتها على الخط / مصدر الصورة ضياء جعفر الموسوي / وزارة النفط.

أصوات معارضة

يرى وزير النقل السابق (عامر عبد الجبار) في تصريح لموقع نقاش “أن لا مردودات أقتصادية للعراق من هذا الأنبوب وأن المشروع يعتبر مكسب أقتصادي للأردن حيث إن كلف تصدير النفط عبر الموانئ الجنوبية لا تتعدى الـ10 سنتات بينما عبر الأنبوب المقترح 4.5 دولارات أي 450 ضعفاً، فضلاً عن فقدان مردودات وعوائد السفن وأجور الوكالات البحرية والخدمات وهي أموال ستذهب لصالح المستثمرين ويضيف لموقع نقاش أن التصدير عبر ميناء العقبة لأوروبا يتطلب المرور بقناة السويس؛ مما يعني أنه معرض للعوامل نفسها في الموانئ الجنوبية ولذلك فأن البديل الأنسب هو أعتماد خط كركوك-جيهان فكلف التصدير عبره لا تتعدى الـ1.5 دولار وهو على البحر المتوسط ويجنبنا المرور بقناة السويس” ويبلغ العمر التصميمي الحالي لخط جيهان 25 عاماً وهو مصمم لنقل 1.6 مليون برميل يومياً لكن طاقته الحالية لا تتعدى الـ350 ألف برميل يومياً، ونقلاً عن قناة الجزيرة فإن المشروع سيوفر أكثر من ألف فرصة عمل داخل العراق و3000 الآف فرصة في الأردن.

الخلاصة

في 8 آذار عام 2018 أصدر معهد الطاقة الأمريكي ورقة بحثية أعدها السفير الأمريكي السابق في العراق (جيمس جيفري)، وخبير مشاريع الطاقة (مايكل نايتس) تحت عنوان: (مستقبل الطاقة العراقي) “وقد خلصوا فيه إلى ضرورة أن تضع الولايات المتحدة ثقلها خلف ممر للطاقة بين الشمال والجنوب يمكن العراق أن يعمل كمحور للطاقة بين دول الخليج وتركيا وفي نهاية المطاف تشكيل جسر تصدير إلى أوروبا ويجب على واشنطن أيضاً دعم مشروع خط العقبة لجلب الغاز والنفط العراقي إلى الأردن حيث سيؤدي هذا المشروع إلى تقليل أعتماد بغداد المفرط على تصدير النفط عبر مضيق هرمز، حيث يمكن لإيران الاحتفاظ بالمضيق كرهينة وأخيراً يمكن أن تؤدي بغداد دوراً مربحاً كمحور للطاقة بين الخليج وأوربا وبلاد الشام”.

 لكن على ما يبدو أن رياح التوجه نحو الأردن في تصدير النفط وتقليل الأعتماد على بقية المنافذ ما تزال بعيدة حالياً حيث يواجه العراق مشكلات مالية صعبة ومعقدة تجعله غير مستعد إطلاقاً لتحمل أعباء تمويل مشاريع كبيرة من عائدات النفط التي يستخدمها كلها في تمويل رواتب ما يقرب من 6 ملايين موظف، وإن أحد أسباب إعادة إحياء فكرة المشروع هو تخطيط العراق لرفع طاقته التصديرية إلى 7 ملايين برميل يومياً، وتبلغ الطاقة التصديرية القصوى من المنافذ الجنوبية 5 ملايين فقط لكن الأمور سارت بالاتجاه المغاير تماماً، حيث تراجع تصدير العراق من 3.75 مليون يومياً إلى 2.8 مليون نتيجة لالتزام العراق مع أوبك + لمواجهة تدهور أسعار النفط والتخمة العالمية في المعروض؛ وتبعاً للظروف الجديدة يبدو أن الوزارة قد انسحبت تدريجياً من المشروع حيث قال المتحدث باسم الوزارة (عاصم جهاد): “إن مشروع أنبوب النفط مستمر، وهو مشروع مستقبلي استراتيجي، لكنه يحتاج إلى مزيد من الاستشارة والدراسة والورش التي تناقش آلية التنفيذ”، وقد كتبت صحيفة الصباح شبه الرسمية يوم 28 حزيران أن مشاريع كبرى لم يكن الخط العراقي الأردني ضمنها وحسبما نقلت عن وزير النفط (إحسان عبد الجبار) “تسعى الوزارة إلى تنفيذ مشاريع كبرى منها: إكمال مد أنبوب بحري ثالث للتصدير عبر المنافذ الجنوبية أضافة الى مشروع مد أنبوبين أخرين رابع وخامس منصة تحميل إضافية وإنشاؤها”؛ وهو ما يفسر ضمنياً تراجع الوزارة عن فكرة الخط العراقي الأردني، فضلاً عن أن استثمار خط جيهان سياسياً وأقتصادياً مع الأتراك ذو أولوية أهم من الخط الأردني؛ بسبب تناقص الأمطار، وبناء السدود على المنابع؛ مما يهدد الأمن المائي للعراق؛ وعليه قد يتمكن العراق من استثمار الشح التركي للنفط الخام والغاز في إرواء عطشه من المياه.


المصادر:

  1. https://www.forbes.com/sites/noamraydan/2020/05/21/long-sought-iraq-jordan-pipeline-hits-new-roadblock-amid-pandemic/
  2. https://www.niqash.org/ar/articles/economy/5598/
  3. https://www.aljazeera.net/news/arabic/2018/11/15
  4. https://www.aljazeera.net/news/reportsandinterviews/2014/8/22/

مشاركة
مهندس في وزارة النفط العراقية، شركة مصافي الجنوب منذ عام 2014، حاصل على شهادة البكلوريوس في الهندسة الكيميائية من جامعة البصرة - كلية الهندسة، حاصل على دبلوم تخصص قسم التصفية من معهد نفط البصرة، كاتب ومحرر في مجال النفط والغاز.