الدبلوماسيون الأوروبيون في تركيا يعتقدون أن بقاء حزب العدالة والتنمية في السلطة بمفرده بات أمراً صعبا هذه المرة مع توقعات باحتمالية عودة عهد الحكومات الائتلافية إلى تركيا, فرئيس البرلمان الأوروبي زار أنقرة والتقى رئيس حزب الشعب الجمهوري كمال قلجدار أوغلو ورئيس حزب الشعوب الديمقراطية صلاح الدين دميرطاش, وقال: إنهم في الاتحاد الاوربي يتوقعون تشكيل حكومة ائتلافية بعد الانتخابات.

الانتخابات التركية في السابع من حزيران حاسمة لمصير النظام السياسي التركي لأنّ هدف السيد رجب طيب أردوغان من الانتخابات ليس فقط تشكيل حكومة أغلبية لحزب العدالة والتنمية الحاكم بل كتابة دستور جديد ينقل النظام السياسي التركي من نظام برلماني إلى نظام رئاسي.

ينص الدستور التركي الذي وضع عام 1982 على أن النظام السياسي التركي هو نظام برلماني حيث يقوم مجلس النواب باختيار رئيس الجمهورية الذي يكون دوره رمزيا, ويختار مجلس النواب أيضا رئيس الحكومة والوزراء. إلّا إنه في عام 2007 أُدخل مجلس النواب بعض التعديلات على الدستور تنص على انتخاب مباشر لرئيس الجمهورية لمدة خمس سنوات لدورتين من دون إعطائه صلاحيات جديدة.

لكن أردوغان وبعد انتخابه رئيسا لتركيا بشكل مباشر في آب 2014,أكد أنه لن يكتفي بالشكل الرمزي وبذلك صار النظام السياسي التركي غير واضح المعالم, إذ هو ليس بالنظام الرئاسي لأنّ رئيس الجمهورية تجاوز فعليا على صلاحيات رئيس الوزراء الدستورية بصفته منتخبا بشكل مباشر عاملا بالنظام الرئاسي, ولا هو نظام برلماني إذ ما يزال الدستور يقول أنّ النظام السياسي نظام برلماني.

النظام الرئاسي المقترح في انتخابات حزيران 2015 أن يكون لرئيس الجمهورية (أربعون سنة من العمر فأكثر,لديه شهادة جامعية, حسن السيرة والسلوك, وينتخب من الشعب مباشرة لخمس سنوات لدورتين فقط),أما المهام المقترحة للرئيس فهي: إدارة السياسة الخارجية والداخلية,واختيار الوزراء وإقالتهم, واختيار القضاة, واستبدال اسم سكرتير بدلا عن وزير كما في الولايات المتحدة,وتتم محاسبة الوزراء أمام رئيس الجمهورية وليس أمام مجلس النواب.ولتحقيق هدف النظام الرئاسي يحتاج السيد أردوغان إلى أغلبية بنسبة الثلثين في مجلس الشعب أي (367 مقعدا)من(550 مقعدا), و(330 مقعدا) لأجل إجراء استفتاء على الدستور الجديد. إلى الآن, لم يحصل حزب العدالة والتنمية على أي منهما.

حزب العدالة والتنمية قام بإجراء تعديل دستوري في السنوات الماضية وضعت فيه “العتبة البرلمانية” التي تشترط على أي كيان سياسي أن يحصل على نسبة 10% من أصوات الناخبين لدخول البرلمان, وهذه العتبة حرمت الأحزاب الصغيرة من دخول مجلس النواب وبالتالي ذهبت أصواتها هدرا مما مكن الأحزاب العابرة للعتبة البرلمانية أن تحصل على مساحات اكبر داخل مجلس النواب. ولتجاوز هذه المعضلة قامت الأحزاب الصغيرة بتجاوز هذه العقبة بطرح مرشحين مستقلين لضمان دخولهم إلى المجلس.

الكيان السياسي انتخابات برلمان 2011 انتخابات بلدية 2014
حزب العدالة والتنمية 50% 46%
حزب الشعب الجمهوري 26% 27%
الحركة القومية 13% 15%
المستقلون الكرد 6% 6%
حزب السعادة الإسلامي 2% 3%
حزب الاتحاد الكبير الإسلامي 2% 3%

السيناريوهات الممكنة

سيكون حزب الشعوب الديمقراطي الكردي بيضة القبان في هذه الانتخابات لأنه لن يدخل بشكل أفراد مستقلين كما في الانتخابات السابقة بل بكيان سياسي, واجتيازه للعتبة البرلمانية حد فاصل بين تحقيق مشروع النظام الرئاسي من عدمه.

أولا: إذا حصل الحزب الكردي على 10% وبقي حزب الشعب الجمهوري والحركة القومية على أصواتهما السابقة, فان حزب العدالة والتنمية سيحصل على أقل من 41%, بذلك لن يحصل اردوغان على 276 مقعدًا لتمرير الدستور الجديد من دون الدخول في ائتلاف مع حزب آخر. رغم ذلك سيتمكن حزب العدالة والتنمية لوحده من تشكيل الحكومة لكنه لن يصل إلى 330 مقعدا لإجراء الاستفتاء حول النظام الرئاسي, إلا بالتحالف مع أحزاب أخرى.

الكيان السياسي انتخابات برلمان 2015
حزب العدالة والتنمية 41%
حزب الشعب الجمهوري 26%
الحركة القومية 13%
حزب الشعوب الديمقراطي الكردي 10%
حزب السعادة الإسلامي 2%
حزب الاتحاد الكبير الإسلامي 2%
مستقلين 6%

ثانيا: إذا لم يحصل حزب الشعوب الديمقراطي الكردي على 10% لكن حزب الشعب الجمهوري والحركة القومية حصلا على أصوات إضافية ولو بنسبة 1%, عندها لن يستطيع اردوغان الحصول على 330 مقعدا. مع انه أيضا سيتمكن من تشكيل الحكومة لوحده لكنه لن يصل إلى 330 مقعدا لإجراء الاستفتاء حول الدستور الجديد, إلا مع أحزاب أخرى.

ثالثا: إذا عبر حزب الشعوب الديمقراطية العتبة البرلمانية وحصل حزب الحركة القومية على أكثر من16%, عندها لن يستطيع حزب العدالة والتنمية أن يشكل الحكومة لوحده لان عدد مقاعده ستتراجع إلى 260 وهي أقل من نصف مقاعد مجلس النواب.

استطلاع رأي

شركة جيزيجي التركية للدراسات أجرت استطلاعا للرأي أظهرت فيه تواصل هبوط شعبية حزب العدالة والتنمية وإن كان بشكل نسبي,أما وكالة رويترز فقد نشرت على موقعها بتاريخ 22/5/2015 نتائج استطلاع رأي من مركز (كوندا) المتخصص ونشرته صحف تركية أيضا, أن شعبية حزب العدالة والتنمية الحاكم قد تراجع إلى 40.5%, وإن حزب الشعوب الديمقراطي الكردي زادت أصواته.

الكيان السياسي نيسان 2015 آيار 2015
حزب العدالة والتنمية 42% 40.5%
حزب الشعب الجمهوري 26% 28%
الحركة القومية 17% 15%
حزب الشعوب الديمقراطي الكردي 10.4% 11.5%

الكرد ومسيرة السلام

إذا جاءت الرياح بما يشتهيه السيد اردوغان ولم يعبر حزب الشعوب الديمقراطي العتبة البرلمانية ولم تزدد شعبية أحزاب المعارضة, فإن حزب العدالة والتنمية قد يحصل على الأغلبية التي تمكنه من إجراء تغييرات دستورية لتغيير النظام البرلماني إلى النظام الرئاسي. لكن وفي حال بقي حزب الشعوب الديمقراطي خارج البرلمان فإن جناحها المسلح أي حزب العمال الكردستاني الذي يقاتل في سوريا والعراق لن يكون قادرا على مواجهة اردوغان في تركيا ولن يتمكن من ضرب أهداف تركية لانشغال قواته في مواجهة تنظيم داعش-حسبما يعتقد صناع القرار في حزب العدالة والتنمية, لذا فتمدد تنظيم داعش داخل الأراضي الكردية العراقية والسورية أو استمرار حرب الاستنزاف بين الفصائل الكردية وأهمها حزب العمال الكردستاني وبين تنظيم داعش أمر ضروري لإبعاد المقاتلين الكرد عن الأراضي التركية.في تركيا المتعددة الانتماءات حيث الخلافات القومية والدينية والمذهبية متأصلة فان الأغلبية التركية تستطيع إيصال مرشحها إلى نظام رئاسي يحصر السلطات برئيس الجمهورية, لكن هذا يعني بكل تأكيد تهميش الأقلية الكردية. الكرد في تركيا يرون أنهم مواطنون من الدرجة الثانية, واستمرار هذا الشعور سيجعل تركيا تقدم على مرحلة مجهولة بعد انتخابات حزيران في حال فاز حزب العدالة والتنمية بأغلبية الثلثين وتغيير النظام من برلماني إلى رئاسي.

قد يسعى حزب العدالة والتنمية للائتلاف مع حزب آخر لتمرير الدستور الجديد إذا لم يفز بأغلبية الثلثين, والأنباء الواردة من أنقرة تتحدث عن رأيين, الأول أنّ السيد اردوغان سيسعى للائتلاف مع حزب الشعوب الديمقراطية الكردي وإشراكهم في الحكومة لإكمال مشروعه بالتصالح مع الكرد وإغراء زعمائهم بالمناصب ثم خلق طبقة من السياسيين الكرد في تركيا موالين له يتم انتخابهم كل مرة, لكن الرأي الثاني للسيد داود أوغلو رئيس الوزراء والذي يرى إنّ الائتلاف مع الحركة القومية التركية أفضل والسبب بحسب اعتقاد داود اوغلو أنّ الكرد لن تتوقف مطالبهم إلا بالفيدرالية على النمط الكردي العراقي تمهيدا للانفصال وأنّ حزب العمال لن يستطيع استهداف تركيا بعد اليوم خصوصا بعد أن وجد وطنا بديلا في سنجار العراقية وكوباني السورية.

لماذا يريد اردوغان النظام الرئاسي

عندما تصبح تركيا ذات نظام رئاسي بحسب مقترح الدستور الجديد سيحصل السيد اردوغان على صلاحيات تجعله قاداراً على حل البرلمان, وإقالة الحكومة,وتقنيين صلاحيات الهيئات القضائية,وإلغاء نفوذ الجيش على مؤسسات الدولة,ورسم السياسات الداخلية والخارجية, وتعيين أعضاء المحكمة الدستورية والمجلس الأعلى للقضاء,وحظر الأحزاب السياسية.

السيد اردوغان يخطط لتولي الرئاسة لدورتين حتى عام 2023 وهي الذكرى المئوية لسقوط السلطنة العثمانية وتأسيس الجمهورية التركية, وتطبيق مشروع “تركيا الجديدة”. فقد نشر الموقع الرسمي لحزب العدالة والتنمية أهداف الحزب لغاية عام 2023, تحت خمسة عناوين رئيسة هي (ديمقراطية متقدمة, واقتصاد كبير, ومجتمع قوي, ومدن حديثة ذات بيئة نظيفة, ودولة رائدة).

في الفصل الخامس(الدولة الرائدة) جاء في البيان الانتخابي لحزب العدالة والتنمية “في الشرق الأوسط هناك حدود مصطنعة بين سكان المنطقة سنعمل بالتعاون المشترك على تجاوزها لما فيه مصلحة تركيا ومصلحة أقطار المنطقة معاً”. لبناء دولة تركية رائدة أو تركيا التي ستتزعم المنطقة فإن هناك حاجة لرئيس تركي قوي مطلق الصلاحيات شأنه شأن الرئيس الأمريكي ذي الصلاحيات الكبيرة, رئيسا بطعم “العسل” كما قال السيد اردوغان وليس “سلطانا” جديدا.