المزيد

    الحسابات الاستراتيجية للصين في بيئة إقليمية مضطربة

    د. يونس مؤيد يونس الحمداني / كلية العلوم السياسية / جامع الموصل

    تُعاود الولايات المتحدة الأمريكية بين الفينة والأخرى صيانة صدارتها في النظام الدولي عندما تستشعر أن تلك المكانة باتت مهددة بالتراجع في ظل التهديدات والتحديات التي تظهر في البيئة الاستراتيجية العالمية، سواء أكانت من فواعل دولية أم غير دولية. ومنذ استلام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الولاية الأولى والثانية، عمل على صياغة عقيدته لتحقيق “مجد أمريكا أولاً”، وفرض السلام بالقوة، وتحصيل المكاسب والمزايا للولايات المتحدة على حساب القوى الأخرى، وفق استراتيجية لإعادة تشكيل توازنات القوى في البيئات الإقليمية المتعددة، بما يجعل الولايات المتحدة تستمر في قيادتها للنظام الدولي. ومن ضمن هذه البيئات الإقليمية بيئة الشرق الأوسط، هذه البيئة المستمرة في عملية التشكّل.

    لم ترتكز الجغرافيا السياسية الحديثة في الشرق الأوسط قط على أسس مستقرة؛ فمنذ انهيار الإمبراطورية العثمانية، بُني نظام المنطقة على توازن هش بين دول وطوائف وأيديولوجيات، ولم تمنح الانتدابات والحدود التي أعقبت الحرب العالمية الأولى (1914–1918) الولاءات القديمة، بل عززتها بدول قومية مثل القومية العربية، واعدةً بالكرامة في وجه الوصاية الاستعمارية. ورسخت الملكيات أقدامها عبر المحسوبية والضمانات الأمنية الغربية، وتأرجحت الجمهوريات العسكرية بين الاشتراكية والاستبدادية. وتحت وطأة هذه الأشكال السياسية، ظلّ الانقسام المكوناتي كامناً إلى حدٍّ كبير في السياسة، حتى صدم نجاح الثورة الإيرانية عام 1979 ذلك الانقسام الكامن، فتحول إلى محور استراتيجي، وبرزت كطليعة للمقاومة الإسلامية؛ إذ تبلورت هذه الرؤية إلى محور مقاومة عبر ربط إيران بوكلائها في المنطقة. وأصبح التنافس بين إيران والعراق قبل عام 2003، ثم السعودية، المبدأ المنظم للعديد من الصراعات بالوكالة، من سوريا إلى اليمن. كما سعت تركيا إلى تحقيق التوازن بين التزاماتها تجاه حلف الناتو وطموحاتها الإقليمية العثمانية الجديدة، بينما أعادت إسرائيل صياغة دبلوماسيتها عبر اتفاقيات أبراهام، جاذبةً دول الخليج إلى تعاون علني. لم يكن هذا نظاماً متناغماً، لكنه كان نظاماً واضح المعالم؛ فقد أدرك كل طرف حدود التصعيد، وعملت كل منافسة ضمن إطار معروف للردع.

    لكن لم يكتفِ كل طرف بحدود التصعيد والمنافسة، بل عمل على توسيعها على حساب الأطراف الأخرى، مما جعل المنطقة تعيش في حدود رمادية – لا سلم ولا حرب – نتيجة معضلة التهديد المستمرة في البيئة الإقليمية. ولكسر هذه المعضلة والقضاء عليها، وبناء هيكل إقليمي جديد للوصول إلى نوع من السلام والاستقرار، شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل الحرب على إيران في سياق القضاء على مصادر التهديدات الرئيسة في هذه البيئة الإقليمية، ورسم ملامح توازن القوى الجديد من منظور الولايات المتحدة والقوى الرئيسة في المنطقة.

    هذه الحرب لها انعكاساتها على القوى الدولية الأخرى الساعية إلى مزاحمة النفوذ الأمريكي في هذه المنطقة، لاسيما الصين الساعية إلى تعزيز رصيد مكانتها في صدارة النظام الدولي كقوة كبرى. وقد جعلت هذه الحرب الصين أمام حسابات استراتيجية تستقرئ الواقع الإقليمي بما يخدم مصالحها القومية العليا، وجعلت البعض يتساءل: لماذا لا تنضم الصين إلى الحرب إلى جانب إيران ضد الولايات المتحدة، لاسيما أن الصين تعرّف نفسها بأنها قوة كبرى وتسعى إلى تعديل النظام الدولي؟ لذلك، فإن حسابات الصين الاستراتيجية في البيئة الإقليمية هي وفق الآتي.

    لقراءة المزيد اضغط هنا