back to top
المزيد

    واحة البيان

    صراعات العالم وانعكاسها على أسواق النفط ومستقبل الطاقة

    مصطفى قيس باحث في الاقتصاد السياسي

    حين تتلاقى خطوط النفوذ الدولي مع اتجاهات الطاقة تتشكل عندها خريطة عالمية جديدة، تتعدى ما تبدو عليه سطحية الاحداث وان ما يجري من صراعات الان في الشرق الاوسط واسيا لايقف عند الحدود السياسية بل في الحقيقة امتدادها يشمل الاسواق والاقتصاد العالمي.

    اسواق النفط باتت اليوم أكثر تأثير من اي وقت مضى حيث ان اي صعود او هبوط في الاسعار لا يمثل مؤشر تجاري فقط وانما يعد نتيجة مباشرة لتحركات القوى الكبرى والصراعات الاقليمية والدولية، مما يدفع الدول للبحث عن بدائل تضمن امنها في مجال الطاقة.

    مضيق هرمز اليوم صار دليلاً على قدرة اللاعبون الكبار فرض توازناتها في بيئة يسودها التعقيد، وان مفهوم الاعتماد الاستراتيجي اعيد تعريفه بسبب التوتر القائم بين إي إيران والولايات المتحدة، حيث أصبح النفط والغاز ادوات ضغط قادرة على اعادة ترتيب الاولويات الاستراتيجية، اي ان اي خلل او انقطاع او تهديد في الامدادات يتعدى تأثيره الاقتصادات المحلية ليصل الى الاقتصادات الكبرى، يزيد المشهد مزيد من التعقيد.

    في نفس الوقت، تلعب اسرائيل دوراً فاعلاً في تشكيل البيئة الامنية الاقليمية، من خلال عملياتها الاستراتيجية التي اصبحت مدروسة بدقة لإعادة رسم ميدان القوة، بحيث يرتبط الامن الاقليمي مباشرة بتوزيع النفوذ، هذا التحول يغير اطر العلاقة مع الجيران والدول الكبرى المعتمدة على استمرارية واستقرار الامدادات لتأمين حصتها السوقية.

    الدول المستهلكة في شرق وجنوب اسيا اعادة النظر في اعتمادها على النفط ومصادره التقليدية وعليه، اتجهت الصين وكوريا واليابان إلى تسريع برامج الطاقة النووية رغم كلفتها السياسية، وأعادت الاعتبار للفحم رغم مشاكله البيئية كخيار براغماتي متاح ورخيص، كما تصاعد الاهتمام بالطاقة المتجددة كخيار سيادي يقلل الارتهان للخارج.

    في ظل تسارع المتغيرات التحدي يكمن في القدرة على التنبؤ وقراءة ما هو قادم قبل وقوعه، فمثلاً عدم استقرار الاسواق العالمية، الصراعات والتوترات المستمرة في الشرق الاوسط، تقلبات الاسعار، سياسات تنويع مصادر الطاقة، اعادة ترتيب التحالفات، كلها عوامل تجعل المستقبل غامض وهذا لا يش مل الدول القادرة على قراءة هذه الاشارات والعمل على تطوير خططها الاستراتيجية بشكل مستمر.

    يعبر جوهر الصراعات العالمية عن اختبار قدرة الدول على ادارة مواردها ضمن تحولات نحو نظام متعدد الاقطاب، أذ يشكل النفط والغاز والملاحة والامن الاقليمي شبكة واحدة من الترابط المتبادل واي اضطراب في أحد العناصر يؤثر على البقية حيث يستدعي الضرورة قراءة المشهد الدولي بطريقة يمكن فهم وتحليل التحولات قبل ان تتحول الى ازمات.

    خلال المرحلة القادمة، ستصبح القدرة على ادارة الطاقة واستغلالها استراتيجيا مقياسا للقوة الدولية بالإضافة الى ظهور خرائط جديدة للتحالفات دول منتجة ستقترب من اسيا أكثر من الغرب، ممرات تجارية بديلة لتقليل الاعتماد على نقاط الاختناق البحرية والمنافسة تدور حول من يحدد اتجاه تدفق النفط ويضمن تمويله وتأمينه.

    بعد عقود حين ينظر المؤرخون الى هذه المرحلة، قد لا يتذكرون الاشتباكات والتصريحات السياسية اليومية، ما يذكر حقاً ويبقى أثره هو ان العالم اعادة تعريف المعنى الحقيقي للطاقة وكيف اصبحت العمود الفقري للسيادة الوطنية ولتوازنات القوة العالمية.

    التذبذب والاضطراب الذي يهيمن على الاسواق اليوم سيحول الى ولادة نظام جديد، نظام لا يقاس بالقوة العسكرية، بل بقدرة الدولة على ضمان تدفق الطاقة وادارة وتأمين طرق امدادها.

    من يفهم هذه المعادلة يرى اشارات لتحول في بنية النظام الدولي قبل ان تظهر نتائجها على السطح السياسي.

    اقرأ ايضاً