المزيد

    التطرف العنيف والإرهاب: قراءة تفسيرية في ضوء مقاربة روجر غريفين وتطبيقاتها على الشرق الأوسط والعراق

    منار شاكر محمود / باحثة في الدراسات الاستراتيجية/ جامعة النهرين

    يشكّل التطرف العنيف والإرهاب إحدى الظواهر الأكثر تعقيداً في الدراسات السياسية والأمنية المعاصرة، نظراً لتداخل العوامل البنيوية والاجتماعية والنفسية والأيديولوجية في تفسير نشأتهما واستمراريتهما. وقد سادت في الأدبيات التقليدية مقاربات تميل إلى تفسير الظاهرة انطلاقاً من محددات مادية، كالحرمان النسبي، أو الفقر، أو التهميش السياسي والاجتماعي. غير أن هذا الاتجاه التفسيري، رغم أهميته، واجه حدوداً تفسيرية متعددة، خصوصاً في تفسير انخراط فاعلين لا يعانون بالضرورة من الحرمان البنيوي في مشاريع عنف راديكالية.

    في هذا السياق، تبرز مقاربة Roger Griffin بوصفها إطاراً نظرياً يعيد الاعتبار للبنية الأيديولوجية والرمزية للتطرف. إذ تنطلق هذه المقاربة من افتراض مركزي مفاده أن التطرف مشروعٌ فكري يسعى إلى إعادة تخيّل الواقع وإعادة بنائه عبر سرديات خلاصية كلية، وليس فقط ضمن حدود الاختلالات المادية التي قد تواجه فئةً اجتماعيةً محددة.

    يرتكز هذا الطرح على مفهوم “القومية الخلاصية القائمة على أسطورة الانبعاث” (Palingenetic Ultranationalism)، والذي يشير إلى نمط من التفكير السياسي يقوم على تصور المجتمع في حالة انحطاط وجودي تتطلب قطيعة جذرية مع الحاضر وإعادة ولادة جماعية. وضمن هذا الإطار، لا يُعاد تعريف العنف بوصفه أداة سياسية فحسب، بل بوصفه فعلاً خلاصياً يحمل وظيفة تطهيرية ورمزية. وهذا ما يزيد من طبيعة التداخل بين المعطيات الاجتماعية المتصلة ببنية القيم وفهم المجتمع وتفسير الاختلالات التي تنشأ بسبب التفاعل الاجتماعي.

    إن الأهمية النظرية لهذا التصور تكمن في انتقاله بالتحليل من مستوى الأسباب المادية إلى مستوى المعنى الأيديولوجي. فالحركات المتطرفة، وفقاً لهذا المنظور، لا تنتج فقط ممارسات عنف، بل تنتج سرديات كلية تعيد تفسير الواقع وتمنح العنف شرعيته الرمزية، ويكاد هذا الجانب في التحليل يتطابق تماماً مع روجر غريفن في عام 2007، كما تلتقي هذه القراءة مع تحليلات ترى في الإرهاب ممارسة رمزية تستهدف إعادة تشكيل الوعي الجمعي بقدر ما تستهدف الضحايا المباشرين.

    ضمن هذا السياق، يصبح التطرف إطاراً لإعادة بناء الذات بقدر ما هو مشروع لإعادة بناء النظام الاجتماعي. إذ تشير دراسات التطرف إلى أن الحركات الراديكالية توفر للفرد هوية متماسكة، ومعنى شاملًا للأزمة، ويقيناً أيديولوجياً، ودوراً تاريخياً، وبذلك يتحول الانخراط في العنف إلى عملية ذات بعد إدراكي ورمزي، تتجاوز الحسابات المادية المباشرة.

    إن أحد أهم إسهامات هذه المقاربة يتمثل في انتقالها بالتحليل من مستوى الأسباب المادية إلى مستوى المعنى الأيديولوجي، فالفاعل المتطرف ضمن هذا الإطار، لا يرى نفسه مجرماً أو منحرفاً، بل فاعلاً تاريخياً يؤدي دوراً اجتماعياً، وتدعم هذه الفكرة دراسات في علم النفس السياسي تشير إلى أن التطرف غالباً ما يرتبط بإعادة بناء الهوية وتوفير معنى شامل.

    وفي هذا السياق تؤدي السرديات الكبرى دوراً حاسماً في إنتاج القابلية للعنف، إذ يتم تبسيط الواقع عبر ثنائيات حادة من قبيل (نحن/هم) أو (النقاء/الفساد)، بما يعزز شرعنة العنف، كما تظهر دراسات الحركات الاجتماعية أن عمليات التعبئة الأيديولوجية تعتمد بدرجة كبيرة على إنتاج تصورات أزمة وتهديد تعمل على زيادة وجود الهدف والتماسك.

    ومن زاوية تحليل الإرهاب، تسهم مقاربة غريفين في إعادة تعريفه بوصفه ممارسة ذات طابع خلاصي. فالعملية الإرهابية لا تُفهم فقط كتكتيك غير متماثل، بل كفعل يهدف إلى إعادة تشكيل المجال الرمزي والسياسي. ويتسق هذا الطرح مع أدبيات ترى أن الإرهاب يمثل وسيلة لإعادة تعريف شرعية الدولة وبنية السلطة.

     

    لقراءة المزيد اضغط هنا