back to top
المزيد

    واحة البيان

    الكتلة الأكبر: تكليف أم تشكيل؟

    د. محمد تحسين كوك قايا

    المادة (76) من دستور جمهورية العراق تنص في فقرتها أولاً على أن رئيس الجمهورية يكلف مرشح “الكتلة النيابية الأكثر عدداً” بتشكيل مجلس الوزراء. الإشكالية لم تكن في النص بحد ذاته، بل في تفسير عبارة “الكتلة النيابية الأكثر عدداً”. ففي عام 2010 أصدرت المحكمة الاتحادية العليا تفسيرها الشهير الذي اعتبر أن المقصود ليس بالضرورة القائمة الفائزة بالمركز الأول في الانتخابات، بل الكتلة التي تتشكل داخل مجلس النواب بعد الانتخابات وتكون هي الأكثر عدداً عند انعقاد الجلسة الأولى.

    هذا التفسير غير مسار العملية السياسية عملياً، لأنه فتح الباب أمام إعادة تشكيل التحالفات بعد إعلان النتائج، بحيث يمكن تجاوز الفائز الأول عبر تحالفات لاحقة داخل البرلمان.

    اليوم، حين يكتب رئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي فائق زيدان في صحيفة الشرق الأوسط عن ضرورة تصحيح المسار وإعادة النظر في تفسير “الكتلة الأكبر” باتجاه اعتبارها الكتلة الفائزة الأولى في الانتخابات، فإن لهذا الطرح وزن مختلف. لأنه صادر عن أعلى سلطة قضائية إدارية في البلاد، ما يمنحه بعداً مؤسسياً لا سياسياً فقط. كما أن هذا الطرح يعيد النقاش إلى نقطة جوهرية تتعلق باحترام الإرادة الانتخابية المباشرة وعدم تفريغ نتائج الانتخابات من مضمونها عبر تحالفات لاحقة.

    لكن، حتى لو تم تعديل التفسير أو النص باتجاه اعتبار الفائز الأول هو صاحب الحق الحصري في التكليف، فإن ذلك لا يعني بالضرورة إنهاء منطق الحكومات الائتلافية. وهنا ننتقل إلى المادة (76) نفسها، وبالتحديد الفقرة رابعاً، التي تنص على أن رئيس مجلس الوزراء المكلف يعرض أسماء أعضاء وزارته والمنهاج الوزاري على مجلس النواب، ويُعد حائزاً الثقة عند موافقة الأغلبية المطلقة لعدد أعضاء مجلس النواب.

    الأغلبية المطلقة تعني نصف عدد الأعضاء الكلي زائد واحد، أي (165 نائباً من أصل 329). وهذا الشرط يجعل أي كيان سياسي، مهما كان موقعها المتقدم انتخابياً، حتى لو كان الفائز الأول، عاجزاً عن تمرير حكومته منفرداً ما لم يجمع هذا العدد. وبالتالي فإن منطق التحالفات يبقى قائماً بحكم المعادلة العددية، لا بحكم التفسير فقط.

    الفارق هنا يصبح بين تحالفين مختلفين في الطبيعة:

    الأول: تحالفات ما بعد الانتخابات بهدف تشكيل “الكتلة الأكبر” لانتزاع التكليف، كما حصل بعد 2010.

    الثاني: تحالفات لتأمين الأغلبية البرلمانية لتمرير الحكومة بعد تكليف الفائز الأول.

    في الحالة الثانية، يكون التكليف مرتبطاً مباشرة بالإرادة الشعبية، بينما تظل الحكومة بحاجة إلى شراكات برلمانية. هذا قد يفتح المجال فعلاً أمام تشكيل تحالفات برامجية واضحة، تقوم على اتفاق سياسي معلن حول المنهاج، بدلاً من توافقات شاملة تذيب الفوارق وتنتج حكومات جامعة بلا معارضة حقيقية.

    إذا تطور المسار بهذا الاتجاه، يمكن أن نرى نمطاً أقرب إلى حكومة أغلبية سياسية تقابلها معارضة برلمانية واضحة، بدلاً من نموذج المحاصصة الشاملة الذي يفرغ البرلمان من دوره الرقابي. لكن تحقيق ذلك لا يتوقف على تعديل تفسير المادة (76) فقط، بل على إعادة تعريف الثقافة السياسية نفسها: هل نريد نظام تداول سلطة حقيقي، أم استمرار حكومات الترضيات الواسعة؟

    بهذا المعنى، النقاش الدستوري هو مدخل، لكنه ليس الحل الكامل.

    التكليف لا يعني بالضرورة أنها ستنجح في تشكيل الحكومة

    هنا تظهر الحقيقة السياسية: قد تفوز كتلة بالمركز الأول، لكنها تعجز عن إقناع الكتل الأخرى بالانضمام إلى حكومتها، إما بسبب برنامجها الحكومي، أو بسبب خلافات على توزيع الحقائب، أو نتيجة صراع على الرؤية السياسية العامة. وفي هذه الحالة قد تفشل في نيل الثقة البرلمانية.

    في المقابل، قد تتمكن كتل أخرى – حتى لو لم تكن هي الفائزة الأولى – من بناء تحالف برلماني أوسع يجمع العدد المطلوب، فتنجح في تمرير حكومة ائتلافية، بينما يبقى الكيان الفائز الأول خارج السلطة التنفيذية.

    بهذا المعنى، إعطاء الفائز الأول حق التكليف يعزز احترام الإرادة الانتخابية، لكنه لا يلغي منطق العمل البرلماني القائم على القدرة على بناء أغلبية. فالانتخابات تمنح أسبقية التكليف، أما تشكيل الحكومة فيحسمه ميزان الثقة داخل مجلس النواب.

    وهذا التفريق مهم: الفوز الانتخابي يمنح فرصة أولى، لكنه لا يمنح حقاً حصرياً بالحكم.

    قراءة في خلفيات الطرح وتوقيته

    أولاً: الحديث العلني عن ضرورة “تصحيح المسار” قد يُمهّد لطلب رسمي من رئيس الجمهورية لإعادة استيضاح المادة (76) من دستور جمهورية العراق أمام المحكمة الاتحادية العليا. صحيح أن من غير المرجح أن تنقض المحكمة تفسيرها لعام 2010 بشكل مباشر، لأن ذلك سيضع شرعية الحكومات المتعاقبة موضع نقاش نظري، لكن يمكنها – إن أرادت – أن تُعيد صياغة التفسير أو تضبطه دون إعلان صريح بالتراجع. القضاء أحياناً يعيد التموضع بالتدرج لا بالقطيعة.

    ثانياً: إثارة هذا النقاش قد ترتبط بإعادة ترتيب المشهد داخل البيت الشيعي نفسه. فإذا كان هناك حديث عن انسحاب سياسي محتمل لـ نوري المالكي أو إعادة تموضع، فإن تثبيت قاعدة “الفائز الأول” قد يعيد رسم قواعد المنافسة مستقبلاً. كذلك قد يخدم بقاء محمد شياع السوداني أو إعادة تكليفه في حال تصدر كيان معين الانتخابات، لأن الإطار الدستوري يصبح أوضح وأقل عرضة للمفاجآت البرلمانية.

    ثالثاً: إعادة فتح النقاش حول الكتلة الأكبر قبل أي دعوة لانتخابات مبكرة يخفف من احتمالات الانسداد بعد النتائج. بمعنى آخر، يتم ضبط قواعد اللعبة قبل خوضها. وهذا مهم في نظام شهد انسدادات طويلة عند كل استحقاق انتخابي تقريباً.

    رابعاً: التجربة العراقية منذ 2010 أثبتت أن تفسير “الكتلة الأكبر بعد الانتخابات” جعل تشكيل الحكومة رهين تحالفات متقلبة وأحياناً صفقات ظرفية. إعادة الاعتبار للفائز الأول قد تقلل مساحة المناورة، وتفتح الباب نظرياً أمام حكومة أغلبية ومعارضة واضحة، بدلاً من تسويات شاملة تُنتج حكومات ضعيفة وبرلماناً بلا دور رقابي فعلي.

    لكن في كل الأحوال، حتى لو تغير التفسير، يبقى شرط الثقة البرلمانية قائماً، وبالتالي لا يمكن تجاوز منطق التحالفات بالكامل. الفارق سيكون في نقطة الانطلاق: هل تبدأ العملية من إرادة الناخب المباشرة، أم من تحالفات ما بعد النتائج؟

    برأيي، التوقيت لا يعكس مجرد نقاش فقهي دستوري، بل يعكس إدراكاً بأن أزمة النظام اليوم ليست فقط في النص، بل في آلية تطبيقه وتراكم انسداداته. لذلك قد يكون المقال جزءاً من محاولة إعادة هندسة قواعد الاشتباك السياسي قبل محطة كبرى قادمة.

    اقرأ ايضاً