نور عبد السلام العزاوي / باحثة في الشأن الاسرائيلي / كلية العلوم السياسية / الجامعة المستنصرية
تعد القوة العسكرية أحد المرتكزات الأساسية التي قامت عليها اسرائيل منذ تأسيسها، سواء في خطابها السياسي أو في بنيتها المؤسسية أو في سياساتها العامة، فمنذ عام 1948، تشكلت العقيدة الأمنية الإسرائيلية على ثلاثة اسس رئيسية، الردع، الإنذار المبكر، والحسم السريع، وبدأت اسرائيل بالعمل على تعزيز هذا التصور عبر الاستثمار المكثف في التفوق النوعي العسكري، والاعتماد على التكنولوجيا، وبناء صلة بين المؤسسة العسكرية والنخبة السياسية، ولم تكن القوة العسكرية أداة دفاعية فحسب، بل تحولت إلى وسيلة مركزية لإدارة الصراع وفرض الوقائع، خصوصاً في ظل غياب تسوية سياسية شاملة، ومع مرور الوقت، أصبحت العمليات العسكرية تستخدم لتحقيق أهداف تتجاوز الأمن المباشر، لتشمل إعادة تشكيل البيئة الإقليمية ،غير أن التطورات الأخيرة، وما رافقها من تصعيد عسكري واسع النطاق، أعادت طرح تساؤلات جوهرية حول حدود هذه القوة، ومدى قدرتها على تحقيق أهداف سياسية وأمنية مستدامة في ظل بيئة دولية تتسم بتزايد القيود والضغوط، لذا تهدف هذه الدراسة إلى تحليل العلاقة بين استخدام القوة العسكرية الإسرائيلية والضغوط الدولية المتزايدة، مع التركيز على حدود الفاعلية السياسية للقوة الصلبة، وانعكاس ذلك على مكانة إسرائيل الدولية وعلى عملية صنع القرار داخلها.
أولا: التحولات في البيئة الدولية.
شهد النظام الدولي خلال العقدين الأخيرين تحولات بنيوية أثرت على حرية استخدام القوة العسكرية، من أبرزها تصاعد دور القانون الدولي الإنساني ومؤسسات المساءلة، كذلك تزايد تأثير الرأي العام العالمي ووسائل الإعلام العابرة للحدود، فضلا عن بروز قوى دولية وإقليمية تسعى لإعادة تعريف قواعد الصراع، في هذا السياق، لم تعد إسرائيل تتحرك في بيئة دولية متساهلة كما في مراحلها السابقة، بل أصبحت تواجه نمطا جديدا من الضغوط، يتراوح بين الانتقادات السياسية، والتهديد بالعقوبات، وتراجع الغطاء الدبلوماسي التقليدي في بعض المحافل الدولية.
فضلا عن ذلك بدأت تتخذ الضغوط الدولية على إسرائيل أشكالا متعددة، يمكن تصنيفها إلى ضغوط سياسية ودبلوماسية، كبيانات الإدانة، تقليص الدعم السياسي، أو الامتناع عن التصويت في المؤسسات الدولية، ايضا ضغوط قانونية كتفعيل آليات التحقيق والمساءلة في المحاكم الدولية، وضغوط اقتصادية غير مباشرة كحملات المقاطعة، أو إعادة تقييم الاتفاقيات، واخيرا ضغوط أخلاقية وإعلامية كالتأثير على الصورة الذهنية لإسرائيل لدى المجتمعات الغربية، هذه الأدوات جميعها لا تحدث بالضرورة تغييرا فوريا في السلوك الإسرائيلي، لكنها تفرض كلفة تراكمية على استخدام القوة العسكرية.
ثانيا: التفاعل بين الداخل الإسرائيلي والضغوط الخارجية.
على الرغم من التفوق العسكري الواضح، تواجه إسرائيل إشكاليات متزايدة في ترجمة الإنجازات العسكرية إلى مكاسب سياسية طويلة الأمد، ويتجلى ذلك في صعوبة حسم الصراعات غير المتكافئة، محدودية الردع في مواجهة فاعلين غير تقليديين، كذلك اتساع الفجوة بين النجاح العسكري والتكلفة السياسية، اذ تشير التجارب الأخيرة إلى أن القوة العسكرية، رغم قدرتها على إلحاق أضرار كبيرة بالخصم، لا تضمن الاستقرار ولا تنهي الصراع، بل قد تؤدي أحيانا إلى تعقيده وإطالة أمده، ايضا لا يمكن فهم السلوك الإسرائيلي بمعزل عن السياق الداخلي، فالضغوط الدولية غالبا ما تتقاطع مع أزمات داخلية في النظام السياسي، وانقسامات مجتمعية حادة، فضلا عن صراع بين المستويين السياسي والعسكري حول إدارة الأزمات، اذ في كثير من الحالات، تؤدي الضغوط الخارجية إلى تعزيز الخطاب الأمني داخليا، بدلا من دفع القيادة نحو مراجعة السياسات، مما يحد من تأثير هذه الضغوط على المدى القصير.
وتعد العلاقة مع الولايات المتحدة عاملا حاسما في تقييم حدود القوة العسكرية الإسرائيلية، فالدعم الأمريكي، رغم استمراريته، لم يعد مطلقا كما في السابق، بل أصبح مشروطا باعتبارات داخلية أمريكية، وضغوط دولية، وحسابات استراتيجية أوسع، هذا التحول لا يعني تراجع التحالف، لكنه يشير إلى تقلص هامش المناورة الإسرائيلي، خصوصا في العمليات العسكرية طويلة الأمد أو ذات الكلفة الإنسانية المرتفعة.
ثالثا: السيناريوهات المحتملة.
تتحدد خيارات إسرائيل المستقبلية في التعامل مع الضغوط الدولية وحدود القوة العسكرية ضمن إطار مركب تحكمه اعتبارات أمنية داخلية، وبنية النظام السياسي، وطبيعة التحالفات الدولية، فضلا عن تطورات البيئة الإقليمية، وفي هذا السياق، يمكن رسم ثلاثة سيناريوهات رئيسية، لا ينظر إليها بوصفها مسارات مغلقة، بل كاتجاهات تحليلية قابلة للتداخل، وهي:
السيناريو الأول: الاستمرار في الاعتماد المكثف على القوة العسكرية.
يفترض هذا السيناريو أن تواصل إسرائيل استخدام القوة العسكرية كأداة مركزية لإدارة الصراع، مع السعي إلى احتواء الضغوط الدولية دون إدخال تغييرات جوهرية على العقيدة الأمنية أو نمط السلوك العسكري، وينطلق هذا الخيار من قناعة راسخة داخل النخبة السياسية والأمنية بأن التنازلات السياسية في ظل الضغوط الخارجية قد تفسر داخليا كضعف، وتستغل من قبل الخصوم الإقليميين، وفي هذا الإطار، تعتمد إسرائيل على تفوقها العسكري النوعي، وقدرتها على المناورة الدبلوماسية، لاسيما عبر التحالفات التقليدية، كذلك إدارة الضغوط الدولية عبر الزمن، استنادا إلى افتراض تراجع حدتها مع تغير الأولويات الدولية، إلا أن هذا السيناريو ينطوي على كلف متزايدة، أبرزها تآكل الشرعية الدولية تدريجيا، وتصاعد المخاطر القانونية والسياسية، وتعميق العزلة النسبية، لاسيما في المجتمعات الغربية، وعلى المدى المتوسط، قد يؤدي هذا المسار إلى استنزاف سياسي وأخلاقي، حتى في ظل استمرار التفوق العسكري.
السيناريو الثاني: إعادة ضبط استخدام القوة ضمن قيود دولية.
يقوم هذا السيناريو على افتراض إدراك متزايد داخل دوائر صنع القرار الإسرائيلي لحدود القوة العسكرية، وما تفرضه البيئة الدولية من قيود، دون التخلي عن القوة كأداة أساسية، ووفق هذا المسار، تسعى إسرائيل إلى إعادة تعريف أنماط استخدام القوة بدلا من تغيير جوهر الاستراتيجية الأمنية، ويتجلى ذلك من خلال تقليص العمليات العسكرية واسعة النطاق، والتركيز على عمليات محدودة زمنيا ومكانيا، كذلك تعزيز الخطاب القانوني والأخلاقي المصاحب للعمل العسكري، ايضا الانخراط الانتقائي مع الضغوط الدولية لتخفيف حدتها، يتيح هذا السيناريو لإسرائيل الحفاظ على هامش من الردع، غير أنه يظل محكوما بإشكاليتين أساسيتين وهي صعوبة ضبط التصعيد في سياق صراعات غير متناظرة، واستمرار فجوة الثقة مع الفاعلين الدوليين، حتى مع تقليص مستوى العنف، وعليه، فإن هذا السيناريو يعد إدارة للأزمة أكثر من انه حلا لها.
السيناريو الثالث: الانتقال التدريجي إلى مقاربة سياسية–أمنية مركبة.
يفترض هذا السيناريو تحولا أعمق في التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي، يقوم على تقليص الاعتماد المفرط على القوة العسكرية، وإدماجها ضمن إطار أوسع يشمل أدوات سياسية ودبلوماسية واقتصادية، لا يعني هذا المسار التخلي عن القوة، بل إعادة توظيفها ضمن رؤية طويلة الأمد تهدف إلى تقليل دوافع الصراع بدلاً من الاكتفاء بإدارته، ويشمل هذا السيناريو إعادة تقييم العلاقة بين الأمن والسياسة، الانفتاح المشروط على مسارات سياسية، كذلك تحسين إدارة الصورة الدولية وتقليل الاحتكاك مع المؤسسات القانونية الدولية، فضلا عن معالجة بعض جذور التوتر بدل الاكتفاء بمعالجته عسكريا، غير أن هذا الخيار يواجه تحديات داخلية كبيرة، من بينها الانقسامات الأيديولوجية داخل المجتمع الإسرائيلي، ضعف الاستقرار الحكومي، ومقاومة المؤسسة الأمنية لأي تقليص لدورها التقليدي، لذلك، فإن تحقق هذا السيناريو يبقى مرهونا بتغيرات داخلية بنيوية، وليس فقط بضغوط خارجية.
لذا تظهر المقارنة بين هذه السيناريوهات أن إسرائيل تمتلك خيارات متعددة، لكنها محدودة جميعها بسقف البيئة الدولية، فالسيناريو الأول يمنح مكاسب عسكرية قصيرة الأمد مقابل كلف سياسية طويلة الأمد، بينما يوفر الثاني توازنا هشا، في حين يتطلب الثالث تحولات داخلية عميقة يصعب تحقيقها في المدى المنظور، وفي ضوء المعطيات الراهنة، يرجح أن تسلك إسرائيل مسارا هجينا يجمع بين السيناريو الأول والثاني، مع تأجيل أي تحول جذري نحو مقاربة سياسية شاملة، ومع ذلك، فإن استمرار الضغوط الدولية، وتراكم كلفة القوة العسكرية، قد يدفع مستقبلا نحو إعادة نظر أعمق في حدود القوة ودورها في تحقيق الأمن.
الخاتمة:
تظهر التجربة الإسرائيلية أن القوة العسكرية، رغم مركزيتها، ليست أداة مطلقة الفاعلية في بيئة دولية متغيرة، فالضغوط الدولية، حتى وإن لم تحدث تحولا فوريا في السياسات، تسهم في إعادة تعريف حدود القوة وكلفتها السياسية والأخلاقية، وعليه، فإن مستقبل السلوك الإسرائيلي سيبقى مرهوناً بقدرة صانع القرار على التوفيق بين متطلبات الأمن، وقيود الشرعية الدولية، وحدود القوة العسكرية في تحقيق أهداف سياسية مستدامة.




