back to top
المزيد

    تطبيقات نظام الأسيكودا للتخليص الكمركي في العراق: الواقع والتبعات

    د. عصام عبد الخضر سعود _ الجامعة المستنصرية/كلية الادارة والاقتصاد

    نظام الأسيكودا (ASYCUDA) هو نظام عالمي لإدارة الكمارك طوّرته الأمم المتحدة (الأونكتاد)، ويُستخدم في العراق وعدد كبير من الدول لتسهيل عمليات الاستيراد والتصدير، وأتمتة الإجراءات الجمركية، وتقليل الفساد والبيروقراطية. ويُعدّ تسهيل التجارة أمراً بالغ الأهمية لتعزيز التجارة الدولية ودفع التنمية المستدامة.

    يدعم برنامج الأسيكودا أكثر من 100 دولة وإقليم في تعزيز المؤسسات وخلق بيئات تجارية حديثة وفعّالة ومستدامة، وأصبحت الرقمنة الكمركية وأتمتة الإجراءات عبر الحدود وتعزيز التناسق التنظيمي أموراً لا غنى عنها لضمان أنظمة تجارية آمنة وشفافة. بعد النجاح في تجربة نظام ASYCUDA World في مطار بغداد الدولي في أكتوبر/تشرين الأول 2023، شهد العراق زيادةً قدرها 28% في إيرادات الكمارك في عام 2023 مقارنةً بعام 2022. وبنهاية الربع الثالث من عام 2024، تم نشر النظام بالكامل في أكبر تسعة مكاتب كمركية، تغطي 81% من التجارة الدولية للعراق من حيث الحجم، وتشمل هذه المكاتب نقاط العبور الحدودية الرئيسية مع الكويت والأردن والسعودية، وكذلك ميناء أم قصر، البوابة الرئيسية للعراق إلى الخليج.

    تضاعفت الإيرادات تقريباً بعد اعتماد هذا النظام وتفعيل التعرفة بشكل كامل، حيث أشارت الهيئة العامة للكمارك إلى أن تنفيذ الأسيكودا منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 ساهم في زيادة الإيرادات بنسبة 100% خلال عامين. وقد جاء ذلك نتيجة تسريع عمليات التدقيق، وتقليل التدخل البشري، والحد من الفساد. كما وصلت الإيرادات الكمركية في عام 2025 إلى أكثر من 2.2 تريليون دينار عراقي، وهو رقم تاريخي غير مسبوق في تاريخ العراق. كما أن إيرادات العراق الكمركية زادت بنسبة 128% في الفترة من 2023 إلى 2024 منذ تطبيق البرنامج.

    استمر لفترة طويلة اعتماد مبدأ الرسوم المخفَّضة والموحَّدة أو الرمزية على كثير من السلع، ولم تُفعَّل معظم بنود القانون حتى وقت قريب، في حين أشارت المادة (2/ثانياً) إلى فرض رسم على البضائع غير الواردة في جدول التعريفة بنسبة لا تتجاوز (20%) من قيمتها، مع جواز تعديل هذه النسبة للأسباب ذاتها. كما أكدت في المادة (2/ثالثاً) أن زيادة الرسم الكمركي تُعد إجراءً مؤقتاً يزول بزوال أسبابه. إلا أن تطبيق هذا القانون شهد تأجيلاً وتعطيلاً في فترات سابقة لأسباب اقتصادية وسياسية، منها اختلاف التطبيق بين الحكومة الاتحادية وإقليم كردستان، والأوضاع الأمنية والاقتصادية بعد عام 2014. سابقا تم اعتماد نظام احتساب فردي لكل مادة واردة ضمن الشحنة أو ما يعرف بنظام احتساب الرسوم لكل سلعة على حدة، ووفقاً لهذه الآلية، تخضع كل سلعة لرسوم محددة تحسب كنسبة مئوية من قيمتها بناء على رمز HS الخاص بها.

    تبدأ نسب الرسوم من 5% كحد أدنى، وترتفع حسب نوع السلعة ومدى ارتباطها بعوامل الحماية أو كونها كمالية، فعلى سبيل المثال، تفرض رسوم بنسبة 5- 10% على المواد الأساسية والمواد الأولية، بينما قد تصل رسوم السلع الكمالية أو التي لها مثيل محلي إلى 20% أو 30% وفقاً لما حدده القانون.

    رغم أن هذا الهيكل الجديد جعل عملية استيفاء الرسوم الكمركية أكثر تعقيداً، إلا أنه عكس مزيداً من العدالة وحقق توافقاً أوضح مع المعايير الدولية. وبذلك، أصبح العراق يطبق نظاماً كمركياً مشابهاً لما هو معمول به في معظم الدول الأعضاء في منظمة الكمارك العالمية.

    أصبح من الصعب على المستوردين أو بعض الموظفين التلاعب بالرسوم من خلال تصنيف غير صحيح للبضائع أو إخفاء قيمتها الفعلية فكل معاملة الآن يتم تتبعها بشكل إلكتروني، مما يجعل أي محاولة للتحايل على النظام تبرز بوضوح أمام الجهات الرقابية المعنية. إن التشديد في آليات الرقابة والإجراءات الإلكترونية أسهم في دفع بعض الأفراد الذين كانوا يسعون للحصول على الدولار لأغراض غير قانونية إلى السوق الموازية، في محاولة لتعويض انخفاض فرص التلاعب عبر القنوات الرسمية. ويمكن القول إن الأسيكودا أغلق الثغرات التي كانت تُستغل سابقاً في التهريب وتزوير الوثائق. يساعد نظام الأسيكودا صانعي القرار على فهم الميزان التجاري وأنماط الاستيراد بشكل أفضل، حيث يمكن استخدام البيانات لرسم سياسات رسوم أو حظر استيراد لبعض السلع مستقبلاً بناءً على معلومات موثوقة وليست تقديرية.

    واجه بعض التجار صدمةً في ارتفاع تكاليف الاستيراد عند الانتقال المفاجئ من الرسوم المخفَّضة أو المقطوعة إلى الرسوم القانونية الكاملة. فعلى سبيل المثال، ارتفعت كلفة التخليص لبعض السلع بنسب تصل إلى 15% أو أكثر، وأدّى ذلك إلى أن الحركة التجارية عبر منفذ طريبيل مع الأردن انخفضت إلى نحو 15% مما كانت عليه قبل 1 يناير/كانون الثاني 2026، بسبب هذه الزيادة في الرسوم وتطبيق نظام التصريح المسبق. وبالنتيجة، فإن كثيراً من التجار فضّلوا إعادة توجيه بضائعهم عبر منافذ إقليم كردستان (التي تأخرت في تطبيق التعرفة الجديدة) لتجنب الرسوم المرتفعة.

    تدفع الصدمة الحالية إلى التدرّج في التطبيق بدلاً من التنفيذ الفوري لجميع الإجراءات دفعةً واحدة، حيث يرى البعض أنه كان ينبغي البدء بتطبيق الأتمتة والاحتساب المسبق على السلع الأعلى قيمةً وتأثيراً، ثم التوسّع تدريجياً ليشمل بقية السلع، بدل فرض نظام الأسيكودا والاحتساب المسبق والأمانات الضريبية والسيطرة النوعية معاً في وقت واحد.

    لقراءة المزيد اضغط هنا