بلال محمد الزوبعي / باحث في السياسات الدولية
عادت قضية (جزيرة إبستين) إلى واجهة المشهد الدولي، لا بوصفها ملفاً جنائيًا مغلقًا، بل بوصفها قضيةً مفتوحة تعمل على أعادة طرح أسئلة سياسية عميقة تتجاوز حدود القانون والأخلاق، فأن أعادة فتح ملفات مرتبطة (بجيفري إبستين)، وما رافقها من تسريبات وإشارات إلى تورط شخصيات سياسية واقتصادية نافذة، تطرح تساؤلاً مشروعاً: هل نحن أمام مسار عدالة متأخر، أم أمام توظيف سياسي محسوب لملف شديد الحساسية؟ ويرى الباحث أن توقيت هذه العودة، وطبيعة الجهات التي تبوح بالمعلومات، وطريقة إدارتها إعلامياً، تجعل من هذه القضية مادة سياسية بامتياز، لا يمكن فصلها عن صراعات القوة داخل النظام الدولي.
أولًا: جزيرة إبستين من قضية جنائية إلى ملف عابر للسياسة
تمثل قضية جزيرة إبستين في أصلها، واحدة من أبشع الجرائم المرتبطة بالاتجار بالبشر واستغلال القاصرين، وهي جرائم موثقة قضائياً، وأُدين بسببها (جيفري إبستين) قبل وفاته في ظروف لا تزال تثير الجدل، غير أن ما حوّل القضية من ملف جنائي إلى قضية سياسية، هو طبيعة شبكة العلاقات التي أحاطت (بإبستين)، والتي ضمت رجال أعمال، سياسيين، وأصحاب نفوذ من مستويات عليا في عدة دول.
إن هذا التداخل بين الجريمة والنفوذ السياسي، جعل من الملف “قنبلة مؤجلة”، لا تنفجر إلا حين تتقاطع العدالة مع مصالح القوى الكبرى، فالقضية لم تعد تتعلق بما حدث في الجزيرة فقط، بل بمن زارها، ومن صمت عنها، ومن حماها سياسياً أو قانونياً في مراحل سابقة.
ثانياً: دلالات توقيت إعادة فتح الملف
إن إعادة فتح ملف (إبستين) جاءت في مرحلة تشهد فيها الولايات المتحدة والغرب عموماً حالة استقطاب سياسي حاد، وصراعاً داخل النخب، وتآكلاً في الثقة بالمؤسسات، كما تتزامن مع سباقات انتخابية، وإعادة تموضع داخل مراكز القرار، وصعود خطاب شعبوي يستهدف “الدولة العميقة” والنخب التقليدية، فالتوقيت هذا ليس تفصيلاً ثانوياً في السياسة.
وفي هذا السياق، يبدو فتح الملفات وكأنه استجابة لضغط أخلاقي، لكنه في الوقت ذاته يخدم أجندات سياسية محددة، فإعادة إحياء القضية الآن، وليس قبل سنوات، يطرح سؤالاً واضحاً: لماذا هذا التوقيت بالذات؟ ولماذا تُكشف بعض الأسماء دون غيرها؟ ولماذا تُدار التسريبات بشكل انتقائي؟
ثالثاً: بين العدالة والانتقائية السياسية
لا يمكن إنكار حق الضحايا في العدالة، ولا التقليل من أهمية كشف الحقيقة، لكن الإشكالية تكمن في الانتقائية، فالتاريخ السياسي الغربي حافل بملفات جرى تجاهلها أو تجميدها عندما تعارضت مع مصالح نافذة، ثم أُعيد فتحها عندما تغيرت موازين القوى.
وبطبيعة الحال فأن قضية (جزيرة إبستين)، لا يبدو فيها أن العدالة وحدها هي المحرك والدافع الاساس فأن غياب محاكمات شاملة، وعدم مساءلة جميع المتورطين المحتملين، مقابل التركيز الإعلامي على أسماء محددة، يعزز فرضية التوظيف السياسي لصالح أجندات محددة، فالعدالة الحقيقية لا تُتجزّأ، ولا تُدار وفق حسابات النفوذ.
رابعاً: هل يمثل الملف ورقة ضغط سياسية؟
في العلاقات الدولية، تُستخدم الفضائح الأخلاقية أحياناً بوصفها أدوات ضغط ناعمة لكنها فاعلة، فهي لا تحتاج إلى عقوبات رسمية أو مواجهات مباشرة، بل يكفي وجود تسريب مدروس لإضعاف الخصم سياسياً أو تشويه سمعته أو الحد من قدرته على المناورة.
من هذا المنطلق، يمكن قراءة ملف (إبستين) بوصفها ورقة ضغط داخلية في الصراع السياسي الأمريكي، وورقة خارجية في إدارة العلاقات بين النخب العابرة للحدود، فأن مجرد التلميح بوجود اسم في هذا الملف كفيل بتغيير سلوك سياسي، أو إسكات معارض، أو إعادة رسم التحالفات.
خامساً: الإعلام بين كشف الحقيقة وصناعة السردية
يلعب الإعلام دوراً مركزياً في تحويل الملف إلى قضية رأي عام جامع، لكن الإعلام هنا ليس مجرد ناقل، بل شريك في صناعة السردية، فاختيار ما يُنشر، وتوقيت النشر، وطريقة الصياغة، كلها عناصر تصنع اتجاه الرأي العام جامع.
إما بالنسبة (لقضية إبستين)، بدا الإعلام منقسمًاً بين مؤسسات تسعى لكشف أوسع، وأخرى تمارس حذراً شديداً، ما يعكس بدوره انقساماً سياسياً أعمق، وهذا يؤكد أن القضية لم تعد قانونية بحتة، بل أصبحت جزءاً من معركة الروايات داخل المجتمعات الغربية أجمع.
سادساً: انعكاسات القضية على الثقة بالنظام الدولي
إن إعادة فتح ملف (جزيرة إبستين) تترك أثراً مباشراً على ثقة الجمهور بالمؤسسات السياسية والقضائية الدولية، فكلما ظهر أن العدالة تُطبق على الضعفاء فقط، بينما يتمتع أصحاب النفوذ بحصانات غير معلنة، تآكلت شرعية النظام.
كما تعزز القضية سرديات التشكيك، وتغذي الخطاب الشعبوي الذي يرى في النخب شبكة مغلقة تحمي نفسها بنفسها، وهذا بدوره يهدد الاستقرار السياسي على المدى البعيد، ويضع الديمقراطيات الغربية أمام اختبار حقيقي.
في الختام يرى الباحث أن إعادة فتح ملف جزيرة إبستين لا يمكن قراءتها كحدث قانوني منفصل عن سياقه السياسي. فهي تعكس تداخل العدالة مع صراعات النفوذ، وتكشف كيف تتحول القضايا الأخلاقية إلى أدوات ضغط في لحظات التحول. وبينما يبقى حق الضحايا في الحقيقة والإنصاف غير قابل للنقاش، فإن الطريقة التي يُدار بها الملف اليوم تثير تساؤلات مشروعة حول الانتقائية، والتوقيت، والأهداف غير المعلنة.




