كمال سمين ابراهيم
في مقال مهم لدكتور سعد سلوم بعنوان (دكتاتورية المصطلح “مثلث التسمية” معركة تحرر الهويات في المشرق) تطرق الى موضوع شكلت منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة، مقدمات الفرقة المسيطرة في سياستها تجاه أطياف الشعب العراقي المتنوع، لتبدأ مع تأسيس الدولة العراقية الحديثة معركة الاحرف والكلمات وجدل المصطلحات والتسميات هدفه تمكين المجتمعات من تقبل الخضوع ضمن ايديولوجيتهم السياسية ليس من ناحية الجسمانية والسياسية فقط وانما من ناحية المعرفية واللغوية والثقافية ايضاً.
واهم ما كان يخلو منه المقال هو ما تعرض له مكون اصيل من مكونات الشعب العراقي من أولى محاولات انتزاع (الحق في تسمية الذات) حتى قبل تأسيس الدولة العراقية الحديثة، الا وهم (اتراك العراق) او (تركمان العراق) عندما ادعى الوفد الإنكليزي اثناء مؤتمر لوزان من ان الاتراك في العراق ليس هم نفسهم اتراك إسطنبول وانما هم (تركمان) باختلاف لهجتهم عن لهجة اسطنبول، وعلى رغم من عدم منطقية الحجة ورفضها من قبل لجنة التحقيق واعتبار ان كلمتان تدلان على نفس المعنى وعلى امتداد بشري واسع واحد، الا ان هذا المكون شكل اول حجة جيو سياسية مزيفة استمرت مع تاريخ العراق الحديث لينظر اليهم فيما بعد من قبل الأنظمة الحاكمة اكثر من كونهم مواطنين عراقيين يشتركون مع إخوانهم العراقيين في نفس المصير والهدف، كجماعة بشرية موالية لدولة أخرى تهدد السيادة العراقية بالخطر، واعتبارهم السبب والوسيلة لضرب وحدة العراق.
وباختصار شديد جداً لا يوجد أي فرق في اللغة التركية بين كلمة (الترك turk) و(التركمان turkmen)، وكلمة التركمان اتفاقي في نظر أكثر الباحثين كان يُطلق عند اول اتصال بين الترك والإسلام على من تقبل الإسلام من الترك ب (الترك والايمان) لتتحول بمرور الزمن الى كلمة تركمان.
ويرجع تاريخ التقاء الاتراك مع العراق الى حقبة الدولة العباسية والاموية او اقدم من ذلك لأسباب متعددة منها السكن او الزراعة او كموظفين او عسكر، حالهم حال جميع أطياف الشعب العراقي، وعلى الرغم من قبول التركمان الدولة العراقية الجديدة منذ تأسيساها وخدمتهم فيها في جميع المجالات (العسكرية والإدارية والسياسية والثقافية)، لم يمنع ذلك العهد الملكي من بدأ بعزلهم بالتدريج من المجال العام العراقي ومحاولة اختزالهم في مجالهم المعيشي فقط لا شان لهم في مستقبل وطنهم ولا يشاركون إخوانهم العراقيين في رسم مستقبلهم، ومع ذلك لم يلعب العهد الملكي مع اتراك العراق لعبة الكلمات والاحرف ليُطلق عليهم طوال الحقبة الملكية بـ (اتراك العراق) في جميع الوثائق الدولة الرسمية والمراسلات الأجنبية، حتى جاءت الحقبة الجمهورية بسياسة راديكالية تجاه اتراك العراق ليُفاجئ في اول أيام الحقبة الجمهورية الصحفي التركماني حبيب هرمزلي بان افراد الامن يطلبون منه إعادة تصحيح ما ورد في مقالته من كلمة اتراك العراق الى تركمان العراق بعد تأشير تحته بالقلم الأحمر، لم يكن هذه الإضافات الحرفية والخط الاحمر تصرف اعتباطي من قبل افراد الامن وانما كانت دلالة فعلية لرسوب التركمان في نظر الفرقة المسيطرة في درس الوطنية ولا مسامحة معهم بعد الان في مدرسة العراق، لينجح بذلك عملية سلب (الحق في تسمية الذات) من المواطن التركماني، وليضع الفرد التركماني في لحظة معرفية حرجة لتعبير عن ذاته بسؤاله: (هل كلمة تركمان تعبر عن الترك ذاته؟ وإذا كان نفس المعنى ما داعي من تعييرها؟ وهل الكلمة تفيد الجمع ام التفريق، واذا كانت الكلمة تفيد التفرقة لماذا نستخدمها نحن الموحدون في العراق ومع العراقيين)، ليبدأ تغيير الاسم التشريح الصامت لتركمان العراق، بداً بتوصيفهم في الصحف الحزبية بـ (عملاء الامبريالية) و(عملاء شركات النفطية) و(أعداء الاشتراكية) لتبرر الشعار والوصف وتشحن في نفس الوقت الكراهية ضد التركمان ويظهر بأوضح صوره في مجزرة 1959 في العهد الجمهوري الأول، وكلما كان يتطور التوصيف يزداد من بعده سياسات النظام قسواً، ليتطور الوصف في الحقبة البعثية الى (الطورانيين) و(عملاء تركيا)، ليتم العمل بعد ذلك بسياسة ممنهجة لنزع صفة المواطن من التركمان وجعلهم اقلية طارئة ليس فقط داخل العراق وانما في محيطهم الإقليمي أيضاً وفصلهم عن الإرث الثقافي والادبي والمعرفي الذي يربطهم مع العالم التركي حالهم حال العرب والكورد والمسيح وغيرهم من أطياف الشعب العراقي، ويحبس الوجود التركمان في فضاء محلي صغير ليسوا بعد الان شعب له امتداد ثقافي إقليمي واسع، وهم في العراق افراد متناثرة في أجزاء واسعة لا شان لهم بالفضاء الوطني.
وبدا النظام بسياسته بتفتيت وحدة التركمان الجغرافية بنزع الاقضية والنواحي ذات ثقل تركماني مثل (طوزخورماتو والحاقه الى محافظة صلاح الدين والكفري والحاقه الى محافظة ديالى والتون كوبري بإلحاقه الى محافظة اربيل) هدفه تفتيت وحدتهم الاجتماعية والسياسية، ولم يقتصر الامر في هذا الحد وانما استمر بنزع الاراضي الزراعية والسكنية من أصحابها الشرعيين بعد تفتيت مناطقهم، وتغيير ديمغرافية المناطق التركمانية، وتهجير أهلها داخلياً وخارجياً، وجلب البعثيين واسكانهم في مساكن التركمان، ومحو ثقافتهم وعاداتهم الاجتماعية بتغيير اسم المناطق التركمانية الى أخرى عربية مثل (تحول اسم منطقة تسن التركمانية الى تسعين، وينى تسن الى حي البعث، وسوق القورية الى سوق البعث)، الى ان وصل الحال اصبح اتراك العراق الذين قدموا للعراق الحديث في مرحلته التأسيسية خدمات جبارة بفعل تمرسهم سابق في شؤون الدولة والإدارة الى تركمان العراق لا يسمح لهم في عهد صدام حسين حتى بتملك البيت والعربة وغير قادرين على تسميه مولودهم جديد باي اسم ذات اص تركي.




