رضا محسن الحكيم
يعتبر التعليم والتطور المستمر عنصر وعامل أساسياً في حياة كل إنسان، حيث إن القيمة العلمية والمعرفية لكل فرد لها دور كبير في تحديد دوره ومكانته بالمتجمعات. ومن أبرز التعريفات التي تذكر بصدد مفردة التعليم، هو أنه العملية التي تهدف إلى تزويد الشخص المتعلّم بكافة أسس المعرفة، وبشكل منظم، ومقصود، ومُحدَّد الأهداف. وهذا التعريف يجعل هذه العملية شاملة وملمة بكل أوجه التعليم، العلمية والعملية، وبهدف محدد وواضح للوصول إلى الغرض المنشود. وعند مراجعة منهج الإسلام يُلاحظ أنه يولي اهتماماً خاصاً وكبيراً بهذا الأمر، حيث قال الله في محكم كتابه الحكيم: “وقُل رَبّي زِدنِي عِلمَا”. فيما قال رسول الله (ص): “طلب العلم فريضة على كل مسلم” وهذا ما يحمل المسلمين جميعا، مسؤولية تجاه العلم، بأن يسعوا لطلبه والأنس معه. إلى ذلك، يُنقل عن أمير المؤمنين الإمام علي (ع)، في كتاب غرر الحكم ودُرر الكلم: “كفى بالعِلم رفعه”، أي أن العلم يكفي الإنسان الواعد والرسالي بأن يرفعه درجات عند الله وعند الناس، فهو مصباح لهداية المؤمن، وبِه تُبنى الأمم وتزدهر.
وبما يخص مفردة (التطور) فهي أساسية في تكملة العلم، فالعلم إذا لم يُرفد بالتطور المستمر والمستدام سيكون محدوداً وغير كاف لبناء الإنسان والأمة. كما أن منهج الإسلام، يدعو ويحث الناس على التطور المستمر يوماً بعد يوم، حيث قال الإمام الصادق (ع): “من استوى يوماه فهو مغبون”. وهذا يعني أن على المؤمن، السعي الدؤوب وبشكل يومي، للتطور والتقدم نحو الأمام وألّا يكون يوماه متساويين مع بعضهما. وإذا تطرقنا إلى مفردة التطور علميًا، فهي تعني النمو المستمر، ويُترجم هذا النمو والتطور في ثلاثية مَنهجية ومُهمة: (العلم، المهارات، والقابليات). وكل ذلك يعني أن عملية التطور التي ترافق العلم لا تكتمل إلّا بتوافق وجمع هذه العناصر الثلاث، فالعلم بحد ذاته لم يكن كافيًا إذا لم يُرفد بالمهارات التي تساعد على استخدامه وتطبيقه، والقابليات التي تعطي القدرة والمرونة للشخص بالعمل وبذل الجهد بصورة إبداعية ومؤثرة.
وعندما ندرس المجتمع العراقي بصورة نسبية تخمينية لا مُطلقة، وعلى أساس هذه التعاريف والمعطيات، يتبين أن النظام التعليمي في المدارس والجامعات العراقية يركز فقط على الفقرة الأولى وهي العلم، ولا يولي الاهتمام الكافي والوافي بتطوير المهارات والقابليات للطلبة المتعلمين. أي أنه يُتَعَامَل معهم كمخزن للمعلومات، ولا يتم تطويرهم وتأهيلهم، بالأسلوب الذي يتيح لهم الاستفادة من علمهم في حياتهم العملية، لافتقارهم للمهارات والقابليات المطلوبة. فعلى سبيل المثال، تُخرج الجامعات العراقية سنويا أعداد كبيرة من الطلبة، حيث أغلبهم قادرون على التنظير والتكلم باللغة العلمية التي تمكنهم من بناء حالة مثالية، ولكن الخلل الرئيسي، هو أن النظام التعليمي، المدرسي والجامعي، لم يوفر الفرصة لهم بالعمل على عناصر التطوير المذكورة من بداية نشأتهم، وهذا يولد ضعفاً في التعامل مع المجتمع وواقع الحال إجمالا. تشير إحدى الإحصائيات أن فقط 22% من الخريجين، تمكنوا من إيجاد وظيفة في اختصاصهم خلال 3 أشهر من فترة تخرجهم، لذا الحاجة واضحة لتطوير المهارات والتأهيل. ووفقا لإحصائيات البنك الدولي، يتوقع أن طلاب العراق سيحققون فقط 41% من قدراتهم الإنتاجية الكلية عند بلوغهم سنوات النشاط، بسبب فجوات التعليم والتدريب. فتطبيق العلوم، يحتاج إلى قدرة لتحليلها، إضافة إلى المهارات والقابليات التي تمكن الشخص من دراسة كيفية تطبيقها. إذن معالجة ذلك، يكون من خلال التعامل مع المجتمع الطلابي كنموذج ذكاء اصطناعي، قادر على جمع المعلومات وتحليلها، لا كخزين للمعلومات، ينسخ المعلومة ويلصقها حسب الطلب والموقف. أي العمل على تفهيم المواد العملية، لا تلقينها.
وبالتأكيد هناك حلول عديدة لتطوير المهارات والقابليات الطلابية، لتأهل شخصية اجتماعية مهنية قادرة على التعامل مع المجتمع وإدارة المهام الحياتية، ومن أبرزها:
1- التدريب والتأهيل: إنشاء مراكز تدريب وتطوير موازية للتعليم المنظم (المدارس والجامعات)، تختص بتطوير مهارات الفرد كفن الخطابة والإلقاء، والعلاقات الاجتماعية، والتفكير المركز، وسرعة البديهية وغيرها من المهارات المهمة. إضافة إلى القابليات الأساسية التي يحتاجها كل إنسان للتفوق بحياته، كالمطاولة، والصبر، والتحمل، والتحليل، والمثابرة، وغيرها.
2- التعليم الجماعي: إجراء معالجات جذرية للنظام التعليمي في البلاد ليجعله ململاً وشاملاً بكافة خصائص التطوير المطلوبة، والخروج من السلوك التعليمي التقليدي، الذي يعتمد على الحالة النظرية فقط. على سبيل المثال، العمل بأسلوب التعليم الجماعي، من خلال المناقشة والتحليل بروح الفريق الواحد، حيث يساعد ذلك، على تطوير مهارات التحليل وفهم المعلومة للمتعلم، إضافة إلى، تنمية قابلية العمل المشترك لدى الطالب. فيما يُستخدم هذا الأسلوب في الدراسات الحوزية بين طلبة الحوزة ويُسمى (المباحثة)، حيث يعقد الطلبة، جلسات يومية أو أسبوعية، لمناقشة الدروس ومباحثتها مما يساعد على فهم المعلومة والاستفادة منها في الحياة اليومية.
3- المعايشة المهنية: توفير فرص، لِممارسة المهن التي يدرسها الطالب في اختصاصه. ويُتَعَاطَى معه كمُتعلم، ساعيا لكسب التجربة عن قرب، وهذا سيكون له دور كبير في تكوين صورة نمطية عامة لدى الطالب، عن السبل العملية والواقعية في التعامل مع الاختصاص النظري الذي يدرسه.
4- تحويل الجانب النظري إلى عملي: استخدام سبل تدريس حديثة ومبتكرة من خلال شرح المواد العلمية، بصورة تيسر على الطالب، فهمها عمليا لا فقط نظريا. أي شرح آليات تطبيقها وفائدتها بالحياة العملية، مع توضيح الجانب النظري السردي لها، مما سيساعد على تعشيق العلم بصورة ملمة وشاملة في الأذهان.
هذه هي جزء بسيط من الحلول الواقعية، الممكن استخدامها وبالتأكيد طرق تحقيق هذا الهدف السامي كثيرة.
مع كل ما ذُكر، هناك مسؤوليات وواجبات كثيرة للإنسان المُتعلم تجاه علمه، ومن أهمها، السعي لتطبيق العلم الذي تعلمه، حيث قال أمير المؤمنين الإمام علي (ع): “خَير العِلم ما عُمل بِه”. والمسؤولية المفصلية الثانية، هي السعي لتعليم العلم ونشره قدر المستطاع، كما قال الإمام علي (ع): “لكل شيء زكاة، وزكاة العلم أن يعلمه أهله” أو “زكاة العلم نشره”. وهذه المسؤوليات الموكلة على الإنسان تجاه علمه، تدعوه إلى تطوير الجانب الواقعي والعملي لذلك، كي يؤهله لأدائها بالصورة المطلوبة.
وفي الختام، هناك معالجات أساسية يجب أن تُتخذ لبناء أجيال كفؤة، قادرة على أن تستفيد من علمها خير استفادة لعمران بلدها. تشير البيانات الإحصائية، أن نسبة القوى العاملة الذين تتراوح أعمارهم بين 16-65 سنة في العراق، هي 60.1%، وهذا الكم الكبير من الشباب، إذا لم يتم بناء خطة هادفة وموجهة لتطوير مهاراتهم وقابلياتهم إلى جانب علمهم، سترتفع حين ذلك، نسبة البطالة المقنعة، ويكون المجتمع خاملاً غير فاعل، قادر على التنظير لا الفعل، يُفكر، ولكن لا يَتفكّر. فإنّ مستقبل العراق لا يُبنى بالعقول الحافظة، بل بالعقول المبدعة، والعلم الذي لا يُترجم إلى عمل، يبقى حبرًا على ورق.