أحمد مطر محمد – دبلوماسي
مقدمة
تخلق الأزمات فرصاً وتهديداتٍ، بل إنَّهما (الفرص، والتهديدات) وجهان لعملة واحدة اسمها الأزمة، وإن لم تحسن استخدام الفرصة وتوظيفها، قد تتحوَّل إلى خطر، كما أنَّ حسن إدارة التهديد قد يحوِّله إلى فرصة. وكان ذلك شأن الأزمة السورية التي وفرت لعديد من القوى المحلية السورية والإقليمية والدولية فرصاً تحولت من ثم إلى تهديدات، وتهديدات تحولت إلى فرص. وكان ذلك شأن تركيا مع الأزمة السورية التي رأت فيها فرصة للمساعدة في إيصال الإخوان المسلمين إلى الحكم في سوريا، ومن ثَمَّ الحصول على نظام حليف في دمشق.
إلا أنَّ للرئيس السوري بشار الأسد حلفاء وشركاء لم يكونوا ليسمحوا بالإطاحة به، ومن بعد قرابة (11) عاماً من الحرب السورية ما يزال الرئيس السوري بشار الأسد على رأس النظام السياسي الحاكم في دمشق، وإن كانت سلطاته قد تآكلت بفعل الحرب التي أنتجت قوى محلية سورية برعاية قوى إقليمية ودولية. ومن بين هذه القوى المحلية التي برزت على الساحة السورية، والتي تعد الأكثر تماسكاً ووجوداً على الأرض السورية -قوات سوريا الديمقراطية ذات الغالبية الكردية-، والتي كانت أحد أهم أسباب التحول في سياسات تركيا وتحالفاتها في سوريا، والتي كان الثابت الوحيد فيها تمسُّك الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بمشروع المنطقة الآمنة.
لذا سنحاول في هذه الورقة التعرُّفَ على أسباب الانخراط العسكري التركي في سوريا وأهدافه؟ وهل أنَّ المنطقة الآمنة -وَفْق رؤية الرئيس أردوغان- فعلاً آمنة؟ ومن ثَمَّ تحليل إمكانية حصول تطبيع في العلاقات التركية السورية؟ واحتمال قيام تركيا بعملية عسكرية في الشمال السوري خصوصاً في ظل التحركات العسكرية التركية على الحدود السورية عقب تفجير إسطنبول في تشرين الثاني الماضي من العام الجاري. وأخيراً سنحاول استقراء الموقف الأمريكي من المنطقة الآمنة. وسنبين تداعيات مشروع المنطقة الآمنة على العراق في الاستنتاجات التي توصلنا إليها. وسنضع في التوصيات جملة من الخيارات التي يمكن لصانع القرار العراقي اعتمادها.
الكيان الكردي السوري والانخراط التركي في الحرب في سوريا
بدأت تركيا -منذ اندلاع الأزمة في سوريا عام 2011- تراقب الأوضاع في دمشق وفي أجندتها أهداف وهواجس. تعلَّقتِ الأهداف بالمساعدة في إيصال الإخوان المسلمين في سوريا إلى الحكم، ممَّا دفع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى مساندة ما أسماه (ثورة الشعب السوري ضد الديكتاتور القاتل، قاصداً بذلك الرئيس السوري بشار الأسد).
أمَّا الهواجس فقد بدأت بالظهور مع تضاؤل فرص وصول الإخوان المسلمين للحكم، وتآكل بنية الدولة السورية وانهيارها، إذ كان من نتائجه أن بدأت ملامح كيان سياسي للأكراد في سوريا بالتشكل وبدعم أمريكي، ممَّا أثار مخاوف تركية من أن يؤثر مستقبل الكيان السياسي الكردي الناشئ في سوريا على مستقبل القضية الكردية في تركيا، لا سيَّما أنَّ أكبر نسبة من أكراد العالم يعيشون في تركيا، إذ يقدَّر عدد الأكراد في تركيا حوالي (15) مليون نسمة، ويشكِّلون (56%) من أكراد العالم، و(20%) من سكان تركيا يعيش معظمهم في جنوب البلاد المحاذي للشمال السوري، إذ يتمركز أكراد سوريا، وهو ما ينذر بتحقيق اتصال بين أكراد سوريا وأكراد تركيا، وتوفير قاعدة وملاذاً آمناً لأكراد تركيا في الشمال السوري، لا سيَّما في ظل التطورات الجيوبوليتيكية التي أفرزتها الحرب في سوريا، إذ أصبحت حدود الدولة السورية سائبة ممسوكة من قبل كيانات مدعومة من أطراف إقليمية ودولية لها مشاريعها الخاصة في سوريا.
لذا -وفي وقت مبكر جداً من الحرب السورية- عرض الرئيس التركي رجب طيب أردوغان فكرة المنطقة الآمنة الخالية من أي تنظيمات مسلحة كردية، تحت أي مسمًّى، وبعمق (30 كم) شمال سوريا. ولم يكتفِ بعرض الخطة والتسويق لها إعلامياً، بل شنَّ أربع عمليات عسكرية «درع الفرات» في جرابلس شمال حلب في 2016، و«غضن الزيتون» في عفرين بريف حلب في 2018، و«نبع السلام» بين تل أبيض ورأس العين شرق الفرات في نهاية 2019، و«درع السلام» في إدلب في ربيع 2020.

لقراءة المزيد اضغط هنا