على مرّ التأريخ، ظهرت الحضارات وازدهرت على ضفاف البحيرات والأنهار، أما في الوقت الحاضر فقد رُسمت الحدود بين الأمم على وفق معاهدات سياسية، أو نتيجةً لصراعات وحروب حددت الخرائط السياسية والجغرافية.

لطالما عُدت منطقة بلاد الرافدين (الأرض بين النهرين) أحد أهم مواقع الحضارة الإنسانية ومهد الحضارات العظيمة التي امتدت لآلاف السنين. وعلى وفق دراسات المؤرخين والاكتشافات الأثرية، تقع أقدم حضارة في العالم بين نهري دجلة والفرات، إذ يعيش اليوم عشرات الملايين من الناس.

ينبع نهر الفرات من جبال الأناضول الشرقية في تركيا، ويتدفق إلى سوريا والعراق، ومن ثم إلى منطقة الخليج العربي، ويقع مجرى هذا النهر في غرب العراق، ويتشكل من التقاء نهري قره صو ومراد صو في تركيا اللذين ينبعان بالقرب من نهر أراس شرق الأناضول. عند التقاء نهري قره صو ومراد صو، يقترب الفرات من نهر دجلة، ثم يبتعد نهر دجلة مرة أخرى باتجاه الجنوب الشرقي ويتدفق نهر الفرات غرباً حتى يتقابل النهران بالقرب من الخليج العربي. ينبع نهر دجلة من التلال الجنوبية لسلسلة جبال طوروس في شرق تركيا. وبعد دخول العراق، يجري النهر عبر المدن الكبرى مثل الموصل وبغداد حتى يجتمع مع الفرات ويتدفق إلى الكارون لتشكيل شط العرب، ومن ثم يصبان في منطقة الخليج.

لدى الحكومة التركية -للأسف- قراءة استبدادية وأحادية لمفهوم السيادة، إذ تدعي أن مصادر المياه حق لها لأنها تنبع من أراضيها.

سد إليسو

أنشأت تركيا سد إليسو على نهري دجلة والفرات، وأبدى العراق اعتراضاته على بناء السد، لكنه افتقر إلى وسائل ممارسة الضغط السياسي، واعتمد على حسن نوايا تركيا وتأكيداتها. وسيتحمل الأشخاص الاعتياديون وطأة العواقب المترتبة على بناء السد، بما في ذلك التعرض للغبار والعواصف الرملية. احتج العراق عام 2017 على بناء السد، لكن الأوان قد فات. لم تكن دبلوماسية المياه من الجانب العراقي قوية ولا فعالة في التوصّل إلى قرار. وعلى الرغم من تزايد الاحتجاجات من الجانب العراقي، وبعض الدول الإقليمية الأخرى ضد بناء سد إليسو، إلا أن تركيا لم تتراجع عن مشاريعها لبناء السدود على نهري دجلة والفرات.

احتجاجات العراق وبعض المنظمات الدولية ضد سد إليسو

على الرغم من الاحتجاجات العراقية وبعض المنظمات الدولية والناشطين في مجال البيئة، أعلنت تركيا -على وفق عدد من وسائل الإعلام الدولية- بدء ملء السد بالمياه.

ونقلت رويترز عن عضو في البرلمان التركي وبعض الناشطين الأتراك صوراً للأقمار الصناعية تظهر بدء السلطات التركية عملية ملء السد بالمياه[1].

ومع عدم تحقيق جهود العراق أي نتائج إيجابية، ذكرت رويترز أن ملء السد قد تأخر لمدة عام نتيجة للاعتراضات من الجانب العراقي، وصرح عدد من المسؤولين العراقيين أن سد إليسو سيؤدي إلى نقص المياه في العراق[2].

نظرة على آثار سد إليسو على العراق وبلدان المنطقة الأخرى

في عام 1989، أعلنت الحكومة التركية عن مشروع جنوب شرق الأناضول[3]، وبدأت ببناء سد أتاتورك على نهر الفرات؛ وأدى بناء السد دوراً أساسياً في التسبب بالعواصف الترابية وانتشار التصحر في العراق، وتفاقمت هذه المعضلة بالنسبة للدول المجاورة حينما قررت تركيا في عام 2006 بناء سد إليسو على نهر دجلة؛ مما أدى إلى انخفاض كمية المياه المتدفقة إلى العراق بنسبة 60%. إن بناء هذا السد -الذي يعادل الحجم الكلي لجميع السدود العراقية- سيمنع ما يعادل 56% من كمية المياه المتدفقة إلى العراق، وسيؤدي هذا على الأرجح إلى ظهور التصحر والجفاف في العراق.

كان من المفترض أن يتم فتح هذا السد في عام 2019، وأثبتت العملية الواسعة لملء السد بالمياه خلال الأيام الأخيرة تصميم تركيا على تنفيذ مشاريعها المائية.

التصاريح الدولية والآليات القانونية

على المستوى الدولي، لا توجد معاهدات وضوابط دقيقة ومتكاملة تبين كيفية التعامل مع المجاري المائية المشتركة بين البلدان.

تركيا -مثل الصين والكيان الصهيوني- هي أحد البلدان التي لم تنضم إلى اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1997 بشأن استخدام المجاري المائية الدولية في الأغراض غير الملاحية[4]، وهي الاتفاقية الدولية الوحيدة التي تناقش مجاري المياه العذبة عبر الحدود في العالم. تلزم المادة الخامسة من هذه الاتفاقية الدول التي تمتلك المياه العذبة والمياه الجوفية بحفظها، وأن تستفيد الدول التي يمرّ فيها المجري المائي من المجرى المائي الدولي بطريقة منصفة ومعقولة ومثالية.

بينما تلزم المادة السابعة من هذه الاتفاقية كل دولة على ضفاف النهر بنظام المجرى المائي العابر للحدود، عند استخدام المجرى المائي داخل أراضيها، باتخاذ جميع التدابير المناسبة لتجنب التسبب “بضرر كبير” لغيرها من الأطراف.

ونظراً لأن السد يقع بالقرب من الحدود الجنوبية الشرقية لتركيا، وأن بناءه على نهر دجلة أثناء دخول النهر إلى العراق سيكون له تأثير ضار على البيئة في العراق، فإن بناء هذا السد لا يتطلب الحصول على الموافقات القانونية الدولية فقط، بل يجب أيضاً تأمين موافقة العراق والدول المجاورة الأخرى؛ لكن على الرغم من ذلك، مضت تركيا ببناء السد، واستكملت المشروع دون الحصول على الموافقات القانونية اللازمة من المجتمع الدولي.

تفاقم الغبار والعواصف الرملية في غرب العراق وجنوبه

كان الرأي السائد في السنوات الأخيرة أن 50% إلى 75% من الغبار والعواصف الرملية داخل العراق سببها عوامل خارجية. ومع ذلك، حان الوقت للاعتراف بأن سد إليسو سيشكل خطراً على العراق، إذ سيشارك في تدمير الأراضي الزراعية العراقية في المناطق التي تقع على ضفاف نهر دجلة؛ مما سيؤدي إلى بداية كارثة بيئية أكثر تعقيداً مما كانت عليه في الماضي. وحذر نشطاء البيئة الذين يعملون على صيانة الأهوار في العراق من أن سد إليسو سيخلق مشكلات غير قابلة للحل للعراق والبلدان المجاورة له، وسيؤدي إلى تجفيف أعداد كبيرة من الأهوار، مثل هور الحويزة، وهذا نتيجة المرحلة الأولى من عملية ملء سد إليسو بالمياه[5].

التأكيدات التركية

بناءً على الوضع الحالي، سيتأثر العراق وبعض الدول المجاورة له بسبب سد إليسو، وقد احتجت هذه الدول على بناء السد، وجاء الرد التركي مقصوراً على تقديم بعض الضمانات للدول المجاورة. وأعلن السفير التركي في بغداد فاتح يلدز في مؤتمر صحفي أن بدء عملية ملء سد إليسو بالمياه لا تعني قطع الماء عن العراق[6]. وأضاف أن جزءاً مهماً من النهر ما يزال يتدفق إلى العراق دون عوائق، وأكد يلديز أيضاً على أن بناء سد إليسو لم يكن للأغراض الزراعية، وأن الغرض منه هو إنتاج الطاقة الكهرومائي لمشاريع إنتاج الكهرباء.[7]

على الرغم من تأكيدات تركيا، إلا أن الناشطين في مجال البيئة في العديد من دول المنطقة ما زالوا قلقين بشأن التأثير البيئي السلبي لسد إليسو.

هل ستثمر جهود العراق الدبلوماسية؟

إذا فشلت الحلول الدبلوماسية، فإن الاتفاقيات الدولية مثل اتفاقية باريس (بشأن المناخ)، ومعاهدات تغيّر المناخ، واتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر في البلدان التي تعاني من الجفاف الشديد والتصحر، واتفاقية الأهوار وبروتوكول مونتريال (بشأن المواد المستنفدة لطبقة الأوزون) ستشكل حجر الأساس للحماية القانونية الدولية التي قد يلجأ لها العراق للوقوف بوجه مشروع سد إليسو.

تُلزم هذه المعاهدات والاتفاقيات الدولية دول جنوب غرب آسيا (مثل تركيا، وسوريا، وإيران، والمملكة العربية السعودية) بمراعاة مجموعة من الالتزامات التي تتطلب صياغة برامج تنمية بطريقة لا تؤدي إلى تدمير المنطقة.

يقع طلب الامتثال لهذه الالتزامات والمعاهدات الدولية من خلال الأمم المتحدة والمحكمة الدولية على عاتق وزارة الخارجية العراقية؛ إذ يواجه العراق أكبر تهديد بيئي في تأريخه، فضلاً عن إلى الحلول الدبلوماسية التي تتبعها وزارة الخارجية، ويمكن للمواطنين الاعتياديين أيضاً المشاركة في أنشطة مدنية سلمية تهدف إلى تعزيز فكرة استمرارية الحياة والتنمية المستدامة لحشد الرأي العام، والقيام بحملات إعلامية، وتوقيع عريضة مفتوحة، وإرسال رسائل إلى الأمين العام للأمم المتحدة للتعبير عن احتجاجهم.


[1]Turkey starts filling huge Tigris river dam, activists say – www.reuters.com/article/us-turkey-dam/turkey-starts-filling-huge-tigris-river-dam-activists-say-idUSKCN1US194

[2]- المصدر نفسه.

[3]THE SOUTHEASTERN ANATOLIA PROJECT (GAP)- http://www.gap.gov.tr/en/what-s-gap-page-1.html

[4]Convention on the Law of the Non-Navigational Uses of International WatercoursesNew York, 21 May 1997-https://treaties.un.org/pages/viewdetails.aspx?src=ind&mtdsg_no=xxvii-12&chapter=27&lang=en

[5]NEW EDEN MASTER PLANFOR INTEGRATED WATER RESOURCES MANAGEMENTIN THE MARSHLANDS AREA-http://citeseerx.ist.psu.edu/viewdoc/download?doi=10.1.1.98.2941&rep=rep1&type=pdf

[6]- السفير التركي لدى بغداد: أنقرة ستطلق مياه نهر دجلة إلى العراق من سد أليسو– The Turkish Ambassador to Baghdad: Ankara will release the waters of the Tigris River into Iraq through the Ilisu dam https://s.thebaghdadpost.com/ar/106347

[7]- المصدر نفسه.

مشاركة
باحث في شؤون الشرق الأوسط في مركز البيان للدراسات والتخطيط، ومختص بالعلاقات العراقية-الإيرانية، وهو حاصل على شهادة البكالوريوس في الدراسات الإسلامية من كلية بيركبيك – جامعة لندن، وشهادة الماجستير من جامعة ميدلسكس، وهو حالياً يكمل الدكتوراه المهنية في الثقافات الإسلامية.