back to top
المزيد

    التهدئة الأمريكية-الإيرانية المؤقتة واعادة فتح مضيق هرمز: فرصة هشة ام اختبار فاشل للدبلوماسية؟

    عثمان علي / باحث في العلاقات الدولية

    أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 8 أبريل 2026 عن اتفاق وقف إطلاق نار ثنائي الجانب لمدة اسبوعين بين الولايات المتحدة وإيران، مشروط بإعادة فتح مضيق هرمز امام الملاحة التجارية بشكل آمن[1]. جاء الاتفاق بعد اسابيع من التصعيد العسكري الذي بدء في 28 فبراير، شمل ضربات أمريكية-إسرائيلية على اهداف ايرانية واغلاق طهران للمضيق الذي يمر عبره نحو 20% من امدادات النفط العالمية. لكن الساعات القليلة التي تلت الإعلان كشفت هشاشة الاتفاق بشكل صادم: شنت اسرائيل أكبر موجة غارات جوية على حزب الله في لبنان، بينما ابلغت الإمارات والكويت والبحرين عن هجمات صاروخية وطائرات مسيرة ايرانية على منشآتها[2].

    يعد هذا الاتفاق خطوة دبلوماسية ضرورية لخفض التصعيد المباشر بين واشنطن وطهران، إلا انه هش وغير كاف، وقد يتحول إلى اختبار فاشل للدبلوماسية إذا لم تعالج الثغرات الفورية في لبنان والخليج. بالنسبة للعراق، الذي دفع ثمنا باهظا من الصراع دون ان يكون طرفا مباشرا، يمثل الاتفاق فرصة استراتيجية محدودة لتعزيز امنه الطاقي واستقراره الاقتصادي، شريطة ان تلعب بغداد دورا نشطا في تحويل هذه التهدئة إلى تسوية شاملة.

    طبيعة الاتفاق وهشاشته الواضحة في ضوء الانتهاكات الفورية

    يلخص الاتفاق تعهد الولايات المتحدة واسرائيل بوقف الضربات المباشرة على الأراضي الإيرانية مقابل التزام طهران بوقف عملياتها الدفاعية واعادة فتح مضيق هرمز[3]. أكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي ان “إذا توقفت الهجمات على إيران، ستتوقف قواتنا عن عملياتها الدفاعية”، مع الإشارة إلى ان المرور سيكون “بالتنسيق مع القوات المسلحة الإيرانية” لمدة اسبوعين.

    غير ان الساعات الأولى بعد الإعلان أثبتت هشاشة الاتفاق. شن الجيش الإسرائيلي أكبر عملية جوية منذ بدء التصعيد، حيث نفذ أكثر من 100 غارة باستخدام 160 قنبلة على أهداف لحزب الله في ضواحي بيروت الجنوبية ووادي البقاع وجنوب لبنان، مما أسفر عن عشرات القتلى والجرحى[4]. أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي إسرائيل كاتز أن “القتال ضد حزب الله مستمر بغض النظر عن الهدنة مع إيران”، مؤكدا أن الاتفاق لا يشمل الوكلاء الإقليميين.

    في الخليج، ابلغت الإمارات عن اعتراض صواريخ وطائرات مسيرة ادت إلى حريق في مجمع غاز حبشان، والكويت عن 28 طائرة مسيرة استهدفت منشآت نفطية ومحطات كهرباء، والبحرين عن اصابات من شظايا طائرة مسيرة[5]. اكدت وسائل اعلام إيرانية أن هذه الهجمات “رد مشروع على قصف منشآت إيرانية سابق”.

    هذه الانتهاكات الفورية تكشف ثلاث ثغرات أساسية: أولا، عدم شمول الاتفاق للوكلاء مثل حزب الله؛ ثانيا، ضعف السيطرة الايرانية على سلسلة القيادة لدى الفصائل؛ ثالثا، غياب آليات تحقق ومراقبة دولية. وبالتالي، يبدو الاتفاق عرضة للانهيار السريع إذا لم تعالج هذه الثغرات في المفاوضات المقبلة في إسلام آباد[6].

    اعادة فتح مضيق هرمز: الفرص الاقتصادية والتحديات الاستراتيجية

    يمثل مضيق هرمز شريان الحياة للاقتصاد العالمي، حيث ينقل يوميا نحو 21 مليون برميل نفط، أي نحو 20% من الإمدادات العالمية. أدى إغلاقه خلال الأسابيع الماضية إلى ارتفاع اسعار النفط الخام فوق 100 دولار للبرميل، مما أثر سلبا على أسعار الوقود في الولايات المتحدة وأوروبا ودول آسيا.

    مع إعادة الفتح المشروطة، انخفضت الأسعار فورا بنسبة تصل إلى 15%، وارتفعت أسواق الأسهم العالمية. يحتفظ الاتفاق لإيران بقدرة التنسيق والتحكم في المرور، بما في ذلك إمكانية فرض رسوم على السفن بالتنسيق مع عمان لتمويل اعادة الإعمار. هذا يعزز موقف طهران التفاوضي، لكنه يثير مخاوف عميقة لدى الولايات المتحدة ودول الخليج من امكانية اعادة الإغلاق في اي تصعيد مستقبلي.

    الفرص الاقتصادية واضحة، استقرار اسعار الطاقة يدعم التعافي العالمي ويخفف الضغط التضخمي. اما التحديات الاستراتيجية فتكمن في الثقة المفقودة، فالهجمات في الخليج بعد ساعات من الإعلان تظهر أن الاتفاق لا يضمن سلامة الملاحة بشكل كامل. إن نجاح اعادة الفتح الكامل يعتمد على بناء آليات تنسيق دولية تشمل مراقبة مشتركة، وإلا فإن المضيق سيبقى اداة ضغط جيوسياسية قابلة للاستخدام مرة أخرى.

    التداعيات على العراق والقوى الإقليمية الرئيسية

    دفع العراق ثمنا باهظا من الصراع رغم حياده النسبي. تعرضت بغداد واربيل لهجمات صاروخية وطائرات مسيرة، وارتفعت اسعار الغذاء والوقود بنسبة 15-25%، مع انقطاع تام لتدفق الغاز الإيراني الذي يغذي محطات الكهرباء[7]، مما ادى إلى انقطاعات طويلة في التيار الكهربائي.

    مع اعادة فتح المضيق، يستفيد العراق من استقرار أسعار النفط – التي تشكل أكثر من 90% من إيرادات الموازنة – واستئناف الصادرات عبر موانئ البصرة. ومع ذلك، فإن اي انهيار للاتفاق يعيد التهديدات، خاصة مع استمرار الضربات في لبنان والخليج.

    على المستوى الإقليمي، رحبت السعودية والإمارات بالاتفاق لحماية بنيتها التحتية النفطية، لكن الهجمات اللاحقة أثارت غضبا رسميا. اما إسرائيل فمستمرة في عملياتها ضد حزب الله، مما يعكس انقساما واضحا بين “المحور الأمريكي-الخليجي” و”محور المقاومة”. دوليا، يعد الاتفاق دليلا على تراجع القدرة الأمريكية على فرض الإرادة بالقوة وحدها، وصعود دور الوساطة متعددة الأقطاب (باكستان والصين).

    الفرص والمخاطر لاتفاق طويل الأمد وتوصيات استراتيجية

    تكمن الفرص في أن الاتفاق يمنح الطرفين مهلة اسبوعين للتفاوض في إسلام آباد حول رفع العقوبات، البرنامج النووي، والصواريخ الباليستية. إذا نجحت المفاوضات، قد يؤدي ذلك إلى تسوية شاملة تعيد الاستقرار إلى الخليج وتفتح الباب امام اتفاق نووي جديد. اما المخاطر فتتمثل في انهيار سريع بسبب الانتهاكات الفورية والخلافات العميقة حول لبنان والوكلاء الإقليميين، مما قد يوسع نطاق الصراع.

    بالنسبة للعراق، يجب استغلال هذه الفترة الحرجة لتعزيز دوره كوسيط إقليمي محايد، وتنويع مصادر الطاقة بعيدا عن الاعتماد الإيراني، وتعزيز الاحتياطيات المالية لمواجهة اي اضطرابات مستقبلية. كما ينبغي على بغداد التنسيق مع الرياض وبقية دول الخليج لتقديم مبادرات مشتركة تضمن شمولية المفاوضات المقبلة.

    التهدئة الأمريكية-الإيرانية خطوة ايجابية لكنها غير مستقرة. نجاحها ليس مجرد مصلحة ثنائية، بل اختبار حقيقي لقدرة الدبلوماسية الإقليمية على بناء نظام أمنى جماعي يحمي الاستقرار والازدهار في الشرق الأوسط.


    المصادر

    [1] The New York Times, “U.S., Iran and Israel Agree to Cease-Fire”, 7-8 أبريل 2026.

    [2] NPR, “The U.S. and Iran agree to a 2-week ceasefire but some attacks continue”, 8 أبريل 2026.

    [3] Al Jazeera, “US-Iran ceasefire deal: What are the terms, and what’s next?”, 8 أبريل 2026.

    [4] The Times of Israel, “IDF launches largest airstrikes yet against Hezbollah after truce with Iran”, 8 أبريل 2026.

    [5] CBC News, “Sporadic attacks reported in Iran, Gulf countries hours after Trump announces ceasefire”, 8 أبريل 2026.

    [6] Chatham House, “US–Iran ceasefire: Early analysis from Chatham House experts”, أبريل 2026.

    [7] Chatham House, “Iraqi civilians are paying the price of the Iran war”, أبريل 2026.