محمد عباس الخفاجي/ باحث / ماجستير علوم سياسية / علاقات دولية
لم تكن الحروب التي خاضتها الولايات المتحدة يوماً مجرد قرارات عسكرية معزولة، بل كانت انعكاساً لعقائد استراتيجية تشكّلت عبر تجارب مريرة، خصوصاً بعد صدمة “فيتنام” التي كشفت حدود القوة الأمريكية عندما تُستخدم دون وضوح في الأهداف أو دعم داخلي كافٍ. ومن رحم تلك التجربة، بدأت النخبة العسكرية بإعادة طرح سؤال جوهري: متى وكيف تخوض واشنطن حرباً؟
في هذا السياق، برزت عقيدة باول (Powell Doctrine) كإطار نظري وعملي يهدف لتجنب أخطاء الماضي عبر مبادئ صارمة. لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: كيف تمرّد دونالد ترامب على هذه القواعد؟
انحسار الدبلوماسية وتصاعد المواجهة
تنص القاعدة الأولى لباول على عدم اللجوء للقوة إلا بعد استنفاد كل الوسائل الدبلوماسية. إلا أن نهج ترامب اتسم بالتصعيد العسكري رغم وجود مسارات تفاوضية، خاصة مع إيران؛ حيث فضّل الانسحاب من الاتفاق النووي في 2018 وإعادة فتح باب المواجهة، معتبراً الضغط الأقصى بديلاً عن التفاهمات المسبقة.
شرخ الجبهة الداخلية وغياب الإجماع
ترى العقيدة أن كسب دعم الرأي العام شرط أساسي للشرعية، وهو ما افتقده نهج ترامب الذي واجه انقساماً شعبياً حاداً. وقد تجلى هذا في مارس 2026 عبر موجات احتجاج واسعة رفعت شعار “No Kings“، شارك فيها مئات الآلاف رفضاً للتفرد بالقرار، مما كسر “الإجماع الوطني” الذي كان باول يعتبره وقود النصر.
تحالفات مهتزة: من “الناتو” إلى أزمة “غرينلاند” وكندا
تشدد العقيدة على ضرورة بناء تحالفات قوية، إلا أن سياسات ترامب أحدثت شروخاً عميقة مع الحلفاء التقليديين. فقد دخل في صدامات علنية مع قادة حلف الناتو، مشككاً في جدوى الحلف ومطالباً الحلفاء بدفع “أثمان الحماية”، مما أضعف التماسك العسكري الغربي. وزاد الطين بلة بطرحه أفكاراً وصفت بالانعزالية والاستفزازية، مثل رغبته المثيرة للجدل في شراء جزيرة غرينلاند من الدنمارك، والتقارير الصادمة حول مقترح ضم كندا. هذا السلوك أدى لإضعاف الغطاء الدولي، مما جعل أي تحرك عسكري أمريكي يبدو كفعل منفرد يفتقر للمظلة الجماعية التاريخية.
صراع الصلاحيات والالتفاف القانوني
يعد دعم الكونغرس ركيزة أساسية في عقيدة باول، لكن ترامب لجأ لتوصيف تحركاتها كـ “عمليات محدودة” لتجاوز الرقابة التشريعية. هذا النهج أثار جدلاً قانونياً واسعاً، ظهر جلياً في رفض مجلس النواب مؤخراً قراراً لإنهاء الحرب مع إيران بفارق ضئيل، مما يعكس غياب التفويض السياسي المتماسك.
ضبابية الأهداف واستنزاف الهيبة
تشدد عقيدة باول على “وضوح الهدف”، بينما اتسم خطاب ترامب بالتذبذب بين إسقاط النظام والضغط النووي، وصولاً لملفات الطاقة وإغلاق مضيق هرمز. هذا التباين، وسط تحديات اقتصادية وجيوسياسية معقدة، جعل القوة الأمريكية تبدو مترددة وتفتقر لـ “استراتيجية الخروج”، مما يحول الصراعات إلى بؤر استنزاف دائم.
تداعيات إقليمية: الشرق الأوسط في مهب التردد الاستراتيجي
إن غياب “القوة الحاسمة” واستبدالها بـ “التصعيد غير المكتمل” يترك حلفاء واشنطن في المنطقة، وتحديداً في دول الخليج، أمام حالة من عدم اليقين. فبدلاً من مظلة أمنية واضحة، باتت المنطقة ساحة لرسائل عسكرية متضاربة، ما يفتح الباب أمام قوى إقليمية ودولية أخرى لملء الفراغ، ويحول الساحات المحلية إلى نقاط استنزاف تتآكل فيها الهيبة الدولية تدريجياً.
خاتمة: هل هو تغيير أسلوب أم بداية تراجع؟
لم تكن عقيدة باول مجرد تنظيم للحروب، بل فلسفة قائمة على “الحسم السريع والقوة الساحقة”. إن ما نشهده اليوم من “تمرد” على هذه المبادئ قد لا يكون مجرد خيار تكتيكي، بل مساراً استراتيجياً محفوفاً بالمخاطر. فالإمبراطوريات لا تنهار عادة بضربة واحدة، بل عبر تراكم أخطاء صغيرة وتآكل في القدرة على الحسم. ويبقى السؤال: هل نحن أمام إدارة جديدة للقوة، أم أمام بداية تراجع الولايات المتحدة كقوة مهيمنة في النظام الدولي؟
قائمة المصادر (References):
1.عقيدة باول ومبادئ استخدام القوة: Powell Doctrine Analysis
2.السياسة الخارجية تجاه إيران (2018-2026): U.S. Department of State – JCPOA Withdrawal
3.تطورات الحراك الشعبي الأمريكي: CNN – No Kings Protest Coverage, March 2026
4.أزمة العلاقات مع حلفاء الناتو والجوار: BBC News – Diplomatic Tensions & Canada Reports
5.مواقف الكونغرس من العمليات العسكرية: Al Jazeera – US House Resolution on Iran War
6.الوضع الاقتصادي والجيوسياسي الراهن: BBC – US Strategic Challenges 2026




