عقيل جبر علي المحمداوي / الباحث والمختص في شؤون التنمية والمالية / استشاري مؤسسة النهرين للتنمية والتطوير الاقتصادي
امام أنظار الحكومة الجديدة ” البرنامج الوطني لدعم وتأهيل وتمكين بناء القدرات والقيادات الإدارية والاقتصادية الحكومية “
يمكن التمهيد بالقول (إذا لم يتم وضع الاسس الموضوعية والمنهجية والهيكلية والبنيوية والتنظيمية السليمة في الادارة الحكومية ومنظومة ادارة الدولة الرشيدة، فيمكن القيام بذلك في وقت لاحق ببسالة كبيرة وبخطوات اصلاحية موضوعية جريئة تستهدف الاختلال الهيكلي والبنيوي، حتى على حساب العديد من الجهود التي تبذل من المفكرين والخبراء والاستشاريين والسياسيين والمسؤولين التنفيذيين والاقتصاديين مع وجود خطر كامن على العملية السياسية وادارة الدولة بأكمله). كما لا يمكن التغاضي عن الفوضى الادارية والتنظيمية والمؤسسية والمالية والاقتصادية بدعوى تجنب الحرب …
ونحن في خضم مواكبة عمل الحكومة التنفيذية الجديدة في ظل دورة انتخابية جديدة افرزت مجلس النواب العراقي الجديد في عام 2022 رافقها تحديات وازمات واتخاذ بعض القرارات المؤسسية والاقتصادية الحكومة التنفيذية السابقة غير الرشيدة والتشدق بالورقة الاصلاحية الرمادية ( المسماة بالورقة البيضاء ) في التنفيذ والاهداف والنتائج، وما تمخض عنه تردي الاداء الحكومي وشبهات الفساد وتكريس السياسة الليبرالية الامريكية وتهيئة الارض الخصبة لتدخل السياسة الليبيرالية للخزانة الامريكية، خصوصا في التدخل في استقلالية البنك المركزي العراقي وازمة الحوالات المالية وعدم استقرار سعر الصرف ونظام القيود الدولية الليبرالية وسياسة تضييق الخناق على الحكومة الجديدة واستمرار نهج النخبة الماسكة بصنع القرارات والخيارات الاقتصادية والمالية والتنموية بدواعي فنية ونظام تحويل جديد وتقليل كاش النقد الدولاري من اموال بيع النفط الخام على خلاف الحكومة السابقة والحكومات السابقة في ظل نفس المفاوضين الاقتصاديين والسياسة النقدية والمالي الذين يتمتعون بنهج تحييد الكفاءات والشخصيات الاقتصادية والمالية المتخصصة الوطنية ، وفقدان اهداف السياسة النقدية في الاستقرار الاقتصادي والمؤسسات الدولية ونهج تكبيل العراق بالتزامات الدين العام فضلا عن القرارات غير الرشيدة في الاستثمارات وابرزها الاستثمار في سندات الخزانة الامريكية ومنه اخر استثمار في عام 2022 لعمر حكومة تصريف الاعمال السابقة بلغ ( 32 ) مليار دولار بفائدة متدنية غير مبررة اقتصاديا يشوبها شبهات فساد وضعف الكفاءة الاقتصادية وتخريب الاقتصاد العراقي بعدم وضوح المنهجية الاقتصادية السليمة وعدم تلمس تغليب المصالح العليا للبلد وحفظ وتنمية المال العام ، سبقه في عام 2020 واجه الاقتصاد العراقي أهم انكماش في الناتج المحلي الاجمالي أكثر من دول أوبك النفطية من حيث حصة النفط ، وتوسع حجم العجز المخطط غير الحقيقي بأكثر من 20 % من حجم الموازنة العامة الاتحادية منذ عام 2004 ليصل الى ما يقارب 40% لعام 2021 نسبة العجز المخططة غير الحقيقية بناء على افتراضات علمية غير موضوعية وبيانات وتقديرات مهنية غير واضحة لا تتسم بالشفافية وتعد نسبة الدين العام الى الناتج المحلي الاجمالي من بين أعلى المعدلات في أوبك + وارتفعت بأكثر من نسبة 20% في عام 2022 لتصل الى ما يقارب نسبة 60% منه قيمة صافي الاصول الاجنبية منه .
وها نحن بعد انقضاء ما يقارب عقدين من زمن التغيير السياسي ( 20 ) عام من عمر حكوماتنا المتعاقبة التي تشكلت بالنظام البرلماني الديمقراطي الجديد ، وترسيخ عهد الدولة العراقية الجديدة وبداية مرحلة ادارة حكومية جديدة تتطلب المرحلة الراهنة بتجلياتها وتحدياتها والتطورات والتغيرات العالمية الجديدة ، تنضيج منهج ادارة الدولة وتقييم موضوعي منهجي للشخصيات الادارية والاقتصادية والمالية والرقابية القيادية قياسا بالمتحقق والمنجز الملموس والبرامج والمشروعات المنفذة والاهداف المرسومة والتحديات التي تم مواجهتها بحنكة ادارية ورؤية اقتصادية ناضجة ومدروسة تراعي المتغيرات الاقتصادية والمالية وقرارات رشيدة من عدمه وغيره وفق نظام تقييم مؤسسي سنوي رصين وحيادي ، وتبني منهج ونموذج اقتصادي جديد يستند الى الاسس المنطقية والمنهجية العلمية والمهنية والموضوعية والموارد والامكانات والامكانيات المتوافرة لدى الدولة ، وترصين نظام رصين لاختيار القيادات الشبابية الناضجة التي صقلت وطورت ما لديها من معرفة عملية وعلمية وخبرة إدارية بخبرات القيادات المخضرمة الذين قضوا سنوات الخبرة الواسعة والعمل الاداري والميداني في مواقع المسؤولية والقيادة ، لمعالجة حقيقية مدروسة وردم الفجوات المعرفية والمهنية واحالة القيادات الإدارية المخضرمة الى التقاعد لوصول أعمارهم الى عمر التقاعد او الشيخوخة او المرض .
نجد ان هناك تحدي كبير وغير مسبوق في كيفية التخطيط الامثل لأعداد جيل جديد بمؤهلات قيادية رصينة ، وربما يفسر انه لم يعط الاهتمام والأولوية الكافية في الحكومات السابقة، مما اقتضى توجيه وتسليط الاضواء بشأنه امام أنظار الحكومة الجديدة وبذل العناية والاهتمام الكافي لهذا الموضوع الجوهري والحيوي والاستراتيجي في تطوير وتنمية القدرات والامكانات والطاقات الوطنية واكتساب المعرفة العلمية والخبرات المتراكمة ، ارتأينا الفات النظر أليه بكيفية التعامل والتعاطي مع ملف مهم وحيوي وحساس والذي يعد في نظريات الادارة الحديثة خطر كامن وحقيقي يتطلب دراسته وتقييمه وتقويمه وتحليله وتقديم المقترحات اللازمة والمعالجات والحلول المقترحة الواقعية والمدروسة ، لأنه يؤثر بشكل رئيسي على هيكل النظام الاداري الكلي ونهج الادارة العامة ويلقي بضلاله ونتائجه المباشرة على رصانة وكفاءة تعزيز نظام الادارة الحكومي الحالي والقادم في الادارة الكفؤة ومجالات تحقيق التنمية.
ان اغلب شرائح المجتمع العراقي، لاسيما المثقفة والمهنية والاكاديمية منهم لديهم توجهات ورؤى ناهضة تحتم ضرورة الارتقاء بالأداء المؤسساتي الحكومي الى مستوى الفاعلية العالية والكفاءة المتسمة بالرصانة في تسنم وتدرج واختيار وتأهيل وتطوير وتنمية القيادات وفقاً للمعايير المهنية والعلمية والاكاديمية المعتمدة دولياً ونظام الكفايات الوطنية ومستوى الخبرة المتراكمة وسنوات العمل ومواقع المشاركة القيادية الفعلية ، نأمل مخلصين ان تفرز ادارة الحكومة التنفيذية الحالية نهج ادارة دولة جديد يبدد الرؤية والانطباعات على الاداء الحكومي غير الرشيد للحكومات السابقة ويشكل بارقة أمل جديد والايمان بالتغيير والاصلاح الجذري والملوس لإدارة الدولة والادارة العامة ابتداء والتركيز على اختيار قيادات ادارية ومؤسساتية مقتدرة جديدة بمؤهلات ومواصفات ومعايير قيادية مدروسة ورصينة تتسم بالمهنية والمؤهلات العلمية والعملية والخبرات المتراكمة، وبناءا على سيرة ذاتية واقعية فضلا عن مؤهلات شخصية وقيادية اخرى والتزكية المؤسسية والمهنية والعلمية والمجتمعية وغيره ، وبرؤية مؤسساتية وفقاً للبرامج المتخصصة الإدارية الاحترافية للقيادة والإدارة الخبيرة المعتمدة لاختيار وتأهيل وتطوير القيادات في المستويات القيادية المتعددة .
نطمح بإخلاص وتفاني وبواقع حرص وطني وبرؤية مهنية أكاديمية تنموية استراتيجية يحدوها الامل والتحدي وبخطوات واعدة مدروسة ان تكلل خطوات الحكومة التنفيذية الجديدة بالنجاح ويفسح المجال الكافي لتبني الحكومة العراقية القادمة لبناء وتنفيذ برنامج مشروع تطوير وتأهيل وتنمية القدرات والقيادات الوطني ( البرنامج الوطني لدعم وتأهيل وتطوير القيادات الإدارية الحكومية )، وان نصل مرحلة الايمان والقناعة بالتغيير الجذري والبنيوي لمعالجة الاختلالات الهيكلية ، وحتمية العمل بهذا البرنامج الذي يعد الهوية القيادية المنشودة للقطاع الحكومي العراقي .
يستند البرنامج على منهجية علمية متكاملة تقوم على ( ٧ ) محاور رئيسة ( محور القيادة القائم على تمكين الموظف من قيادة عجلة التنمية في كافة مجالات القطاع العام وبناء ثقافة الفكر القيادي وصولا للشخصية القيادية المبدعة ذو الرؤية الاستراتيجية، ومحور فرق العمل المتضمن تأهيل الموظف ليتحمل المسؤولية المشتركة لتحقيق الأهداف الاستراتيجية للمؤسسة وصولا الى التميز في قيادة المشاريع الدولية المشتركة، ومحور الشركاء والعملاء الذي يهدف الى تقديم خدمات متميزة بأعلى مستوى من الجودة والكفاءة التي تفوق توقعات المواطنين ، ومحور المؤسسة الذي يهدف الى رفع مؤشرات الاداء المؤسسي للنهوض بعجلة التقدم في منظومة عمل القطاع العام عن طريق تعزيز الولاء المؤسسي وربط الأهداف الشخصية بأهداف المؤسسة ووضع الاستراتيجيات وادارة المبادرات ورسم السياسات المبنية على الأدلة والوقائع ، ومحور الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات وبناء الروابط الاستراتيجية للإسهام في التكامل والانسجام بين مؤسسات القطاع العام من خلال محور التواصل والاتصال الفعّال القائم على غرس الاحترام والمبادئ والقيم المهنية الراسخة، ومحور الاداء والإنتاجية والابداع من خلال رفع مستوى كفاءة الاداء في القطاع العام عبر غرس الطموح والانضباط وادارة المهام والأولويات والتميز في الاداء وتحقيق الإنتاجية العالية ومؤشرات الاداء المتميزة والوصول للأداء المؤسسي القائم على التنافسية ، ولا يغفل البرنامج الوطني لدعم وتطوير وتأهيل القيادات الحكومية اهمية غرس القيم المؤسسية الصحيحة لدى الكوادر الوطنية اذ يعد محور القيم احد المحاور الرئيسة في المنهجية العلمية في هذا البرنامج الوطني وتتمثل القيم بالمواطنة ، والعدل ، والمساواة ، والاستدامة ، والمهنية ، والمسؤولية، والتي لابد ان يكتسبها الموظف الحكومي ليقوم بمهامه على اكمل وجه وبالصورة المنشودة فضلا عن التأهيل والتدريب الاداري والفني المتطور والحديث واكتساب المعارف والمهارات وتطوير الكفايات والكفاءات وتعزيز القدرات والمهارات وغيره ) .
وبنظرة عميقة لواقع الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية وتحديات بيئة الاعمال ومجريات العمل المؤسساتي الحكومي وحجم التحديات الاقتصادية والمالية التي يواجهها النظام الاداري في الدولة العراقية، وواقع هيكل النظام الاداري ومجالات التنمية والتطوير والتأهيل المطلوبة، والتي من الممكن العمل بموجبها.
ارتأينا الولوج في عمق تحديث واعادة بناء الكفايات الاساسية والمنهجية لتشكيل القرار الاداري والبحث عن سبل ووسائل واليات او سياسات ادارية رائدة ومواكبة التطورات في بيئة العمل واعتماد أساليب متطورة في الادارة ومجالات إعداد وصنع واتخاذ القرار وصياغتها بنماذج قياسية تحقق التميز والريادة القيادية ، وكذلك إمكانية عرض تجارب مدروسة ناجحة في مجال الادارة الحكومية والقيادة الإدارية المؤسساتية الحكومية الناجحة ومنها مشروع هذا البرنامج الوطني الحكومي النهضوي، والذي يمكن اعتماده آنموذجا واطارا ودليلا إجرائيا يستدل به ، وإخضاعه للدراسة والتحليل والتشخيص وتوجيه أنظار صاحب القرار القيادي الاداري اعلى هرم السلطة في حكومتنا الموقرة القادمة باتجاه والقوى السياسية والوطنية الداعمة والساندة للعملية السياسية وادارة الدولة والحكومة التنفيذية للوصول الى قرارات حيوية استراتيجية رشيدة تساعد الحكومة التنفيذية في صنع وترشيد القرارات الأكثر تماسا للواقع العراقي .
نفترض في البرنامج المقترح سلسلة من الإجراءات القيادية التي تقر من قبل السلطة الإدارية والتنفيذية المخولة حكومياً، ويفضل تمكين وتوسيع مهام مجلس الخدمة المدني واعادة هيكلة واصلاح منظومة المستشارين والخبراء الحكوميين وفق نظام الكفايات والكفاءات المنهجية والرصينة بهذا الشأن وفقا لمعايير مهنية وعملية واكاديمية وتخصصية وبواقع استراتيجي وتنموي وبخطة واضحة معززة بآليات وسياسات واهداف مرسومة. يشكل سياسة واستراتيجية تنموية موحدة لمشروع وطني يتفق عليه في برنامج حكومتنا الموقرة القادمة ، يهدف عن طريقه بناء منظومة حكومية واساسيات ادارة الدولة تعتمد على منهجية ادارية واقتصادية تعد كل موظف قائداً في مستواه الوظيفي والمهني، ومشاركاً في صياغة القرارات القيادية كل من مستواه وموقعه الوظيفي لغرض توفير وخلق الفرص المتاحة لبناء وتنمية مقومات الادارة والقيادة وتهيئة متطلبات صنع واتخاذ القرار بما يسهم في صلاحية القرارات الإدارية المتخذة وديمومة عمر المؤسسات ، ومن ثم الإسهام في الارتقاء بواقع العمل في مؤسسات الدولة كافة بشكل إيجابي .
اذ ينبغي ان تكون البرامج مصممة خصيصاً لتتناسب مع واقع الاحتياجات الفعلية التأهيلية والتطويرية والتنموية للموظفين الحكوميين ، منذ لحظة انضمامهم لأول مره في القطاع العام والحكومي ومواكبة التطور الوظيفي للموظف الى ان يصل الى المستويات الإدارية المتقدمة، وصولا الى مستوى القيادة العليا في السلم الوظيفي في القطاع الحكومي، والبرنامج يحتضن الموظف الحكومي بمهاراته وخبراته ليصل به الى أقصى طاقاته الاستيعابية في كل مرحلة قيادية ويظل يمده ويعززه بخلاصة التجارب والخبرات المثلى لأفضل الممارسات التدريبية والتأهيلية والتطويرية والتنموية مع الاشتراك شهرياً بالقيام باستبيانات دورية تعنى وتهتم بتقييم ديناميكية العمل والكفايات الادارية والاقتصادية والمعيارية والمؤشرات القياسية فضلا عن توضيح وتقييم وتقويم نماذج المنهجية العلمية والمنهجية وفق نماذج معيارية مرنة والتقويم بأدوات رصينة باستثمار الاساليب والوسائل الاحدث لحل مشكلات العمل وايجاد الحلول المقترحة المفضلة في حقل القيادات الادارية والاقتصادية والمالية والرقابية والارتقاء بواقع الادارة الحكومية ….نعتقد واثقين ان متبنيات هذا البرنامج الوطني تعد بمثابة خارطة طريق واضحة المعالم لمستقبل الارتقاء بواقع العمل الحكومي العراقي ووفق منهج المؤسسية الاقتصادية والاجتماعية، وبرؤية منهجية واقعية قائمة على تحقيق تنمية الموارد البشرية والتنمية المستدامة بسواعد وطنية مقتدرة مؤهلة لتحقيق الطموح في بنية قاعدة الاقتصاد الصناعي ومبادرات التنمية، وتطويره بصورة مستمرة تواكب اخر المستجدات والتطورات في بيئة الاعمال الدولية فضلا عن الاستجابة للتطورات والتغيرات والتحديات الحاصلة في البيئة الداخلية، وللحديث تتمة وتواصل




