عبد المنعم علي عيسى/باحث
شكّل وصول “السلالة البهلوية” إلى سدة السلطة في طهران عام 1925 نقطة افتراقية في تاريخ منطقة الخليج العربي، التي كانت على وشك الدخول في مرحلة “السخونة الإستراتيجية” على وقع الاكتشافات النفطية التي بدأت في منطقة شمال شرق الأهواز عام 1908، ثم تلتها في العراق والبحرين والسعودية أعوام 1927 و1932 و1938 على التوالي. ولربما كانت تباشير تلك “السخونة” هي التي تفسر قيام محمد رضا بهلوي بعزل أبيه في شهر أيلول من عام 1941، والتربع على عرش إيران بدعم وإسناد غربيين، حيث سيثبت هذا الأخير أنه “الطبعة” الأكثر قدرةً على حمل صفة الحليف الغربي “ذي الرقم 1” في المنطقة، والتي كان الأب عاجزاً عن حملها، كما يبدو، بالدرجة التي كان يجب أن تكون عليها.
وعلى امتداد نصف قرن، 1925 – 1979، شهدت إيران نوعاً من الاستقرار، الذي لم يُعكِّر صفوه سوى “عملية آجاكس”، التي نفذتها وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، بالتعاون مع نظيرتها البريطانية، ضد رئيس الوزراء محمد مصدق عام 1953، والتي أدت، من حيث النتيجة، إلى عودة الشاه محمد رضا إلى عرش طهران بدرجة أقوى مما كان عليها خلال العقد الفائت، قبيل أن يهتز عرشه على وقع الاضطرابات التي شهدتها البلاد عامي 1978 و1979، ويُسدل الستار نهائياً على حكم “السلالة البهلوية” يوم 11 شباط /فبراير من هذا العام الأخير، الذي بات يرمز لبداية انتصار “الثورة الإسلامية” التي شكّل وصولها إلى السلطة في طهران حدثاً جيوسياسياً هو الأهم في المنطقة منذ انزراع الكيان الصهيوني بين ظهرانيها في شهر أيار/مايو من عام 1948. ولربما كانت أهمية الأول تفوق أهمية هذا الحدث الأخير، بفاعل أساسي هو أنه كان يمثل فعلاً نقيضاً له، ولاغياً لـ”المشروعية” التي قام عليها، ومن المؤكد أن المناخات التي استولدها ذلك التحول كانت قد شكّلت أساساً لـ”اضطراب الحبل” في منطقة الخليج العربي من أقصاه إلى أقصاه، بفواعل عدة، بعضها ذو علاقة بالإيديولوجية، وبعضها الآخر ذو علاقة بالتراصفات السياسية التي ابتنتها تلك الدول منذ لقاء الملك عبد العزيز آل سعود بالرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت في شهر شباط /فبراير 1945 على متن الطراد كوينسي في البحيرات المرة بمصر.
ولعل الحروب الأربعة التي شهدتها منطقة الخليج، بدءاً من عام 1980 وصولاً إلى عام 2025، كانت نتاجاً غير مباشر لتلك المناخات، مع تسجيل نقطةٍ هامة، هي أن جولات الصراع الأربع كلها لم تُفضِ إلى حالٍ من الاستقرار، بل إن النتائج التي راكمتها كانت تشير إلى أن وقف إطلاق النار، الذي يعقب كل جولة، ليس أكثر من “استراحة” تخلد إليها أطراف الصراع قبيل أن يستكمل هذا الأخير موجبات استعادته لجذوة الاتقاد من جديد. ففي الخلفية، هناك العديد من العوامل التي تجعل من هذا الفعل الأخير أمراً لازماً، بل ومن الصعب تلافي سيره في ذلك الاتجاه.




