back to top
المزيد

    أزمة تشكيل الحكومة العراقية والخيارات الدستورية والسياسية المتاحة

    د. رعـد سامي التميمي / مستشار سياسي أقدم / المفوضية العليا المستقلة للانتخابات

    ملحوظة: إن الآراء الواردة في هذه الدراسة هي آراء شخصية ولا تمثل رأي أية جهة رسمية.

    نشرَ معالي الدكتور فائق زيدان، رئيس مجلس القضاء الأعلى، مقالاً تحت عنوان ((خطيئة التفسير الخاطئ للدستور)) في جريدة الشرق الأوسط، وذلك يوم الثلاثاء الموافق 3 آذار/مارس 2026.

    وانطلق معاليه في كتابة ذلك المقال من خبرتيه العلمية والعملية، كونه حاصلاً على شهادة الدكتوراه في القانون، فضلاً عن تدرجه في العمل القضائي حتى وصوله إلى أعلى سلطة قضائية، وهي رئاسته لمجلس القضاء الأعلى في العراق.

    وقد أشار في ثنايا المقال إلى قضايا بالغة الأهمية، منها التأكيد على روح الدستور، كون مواده تتطلب تفسيرات مرنة تتماشى مع التطور التاريخي والسياسي للمرحلة، وألا تكون تلك التفسيرات حبيسة مرحلة تاريخية أو سياسية ما، بل ينبغي أن تتمتع بالمرونة التي تتطلبها تطورات المرحلة السياسية والتاريخية، كون سيرورة التاريخ والحياة مستمرة وغير ثابتة، وبالتالي فإن التفسيرات الدستورية والقانونية ينبغي أن تتمتع بالصفة ذاتها لكي تتماشى مع متطلباتها.

    وحسناً فعل معاليه عندما أكد على روح الدستور، منطلقاً من عمق خبرته في مجال القانون، إذ انطلق في تحليله بالاستناد إلى واحد من أهم المراجع التاريخية في القانون والسياسة، الذي وضعه الفيلسوف الفرنسي (مونتسكيو)، وهو كتاب (روح القوانين)، عام (1748)، فقد كان وما زال هذا الكتاب بمثابة بحث في النظرية السياسية والدستور والحريات العامة، والذي دافع فيه الأخير عن أن الدستور ينبغي أن يعكس طبيعة المجتمع وتطوره التاريخي والسياسي.

    هذا الكتاب الذي طالما وضعته ميزاناً لمعرفة مدى خبرة وفهم حملة شهادات القانون للقوانين وتفسيراتها، إذ عادة ما أطرح عليهم سؤالاً مفاده (هل قرأت كتاب روح القوانين لمونتسكيو؟)، لأسمح لنفسي، وفي قراراتها، أن أحكم على البعض حول مدى فهمه للقانون، وكيفية تعامله مع النصوص الدستورية والقانونية عند تسطيره لرأيه القانوني وتفسيره لمواد الدستور والقوانين، وهل يتعامل معها كنصوص جامدة؟ أم يستند إلى روح القانون في التفسير؟ لأن جمود التفسير يحول القانون من رحمة لتنظيم الحياة العامة وضمان لحقوق وحريات الناس، إلى نقمة قد تسلبهم حقوقهم على أقل تقدير.

    إن جوهر المقال انطلق من نقد لتفسير المحكمة الاتحادية العليا للكتلة النيابية الأكثر عدداً، في قرارها ذي الرقم (25/ اتحادية/ 2010)، الذي نص على الآتي: ((ترى المحكمة الاتحادية العليا أن تعبير الكتلة النيابية الأكثر عدداً يعني إمّا الكتلة التي تكونت بعد الانتخابات من خلال قائمة انتخابية واحدة دخلت الانتخابات باسم ورقم معينين وحازت على العدد الأكبر من المقاعد، أو الكتلة التي تجمعت من قائمتين أو أكثر من القوائم الانتخابية التي دخلت الانتخابات بأسماء وأرقام مختلفة ثم تكتلت في كتلة واحدة ذات كيان واحد في مجلس النواب، وأيهما أكثر عدداً يصبح الكتلة النيابية الأكثر عدداً التي يكلف مرشحها بتشكيل مجلس الوزراء حسب أحكام المادة (76) من الدستور))

    وانسجاماً مع نص قرار المحكمة الاتحادية أعلاه، يرى معاليه أن هذا القرار يتطلب إعادة النظر في تفسيره للمادة (76) من الدستور، لتكون الكتلة التي لها حق أن تتصف بالكتلة الأكثر عدداً في المادة الدستورية أعلاه هي الكتلة الفائزة بأعلى المقاعد في الانتخابات.

    تنطلق دراستنا من فرضية مفادها: ((إن تفسير المحكمة الاتحادية للمادة (76) هو تفسير غير صحيح، ولا يتوافق مع الفقه الدستوري المقارن، ولا مع النظريات السياسية في هذا المجال، وإن الكتلة الأكثر عدداً الفائزة في الانتخابات هي الكتلة المقصود بها في المادة (76) من الدستور، وليس الكتلة التي تتشكل بعد الانتخابات)).

    ومن خلال ثنايا دراستنا هذه نسعى لمعرفة رأي الفقه الدستوري والنظريات السياسية في ذلك، فضلاً عن الاطلاع على التجارب الدولية في هذا المجال وكيفية تعاملها معه. لنتوصل من خلال هذه الدراسة إلى إثبات الفرضية أعلاه أو دحضها من خلال الإجابة عن التساؤلات التالية: ما أنواع التحالفات؟ وما الفرق بين التحالفات الانتخابية والتحالفات السياسية؟ وما رأي الفقه الدستوري المقارن والنظريات السياسية في ذلك؟

    وهل إن تفسير المحكمة الاتحادية للكتلة الأكثر عدداً يتماشى معها أم لا؟ وما اعتماد التجارب الدولية في هذا المجال؟ وذلك للوصول إلى الإجابة عن التساؤل الرئيس، ومفاده: ما هي الطريقة التي ينبغي أن نتعامل بها في العراق لوصف الكتلة النيابية الأكثر عدداً؟

    فضلاً عن ذلك، فقد تناول المقال معالجات ثلاث تضمنت الآتي: المعالجة الأولى تعديل الدستور ليحدد صراحة المقصود بالكتلة الأكثر عدداً، والمعالجة الثانية تعديل قانون مجلس النواب بحيث يُلزم تسجيل الكتلة الأكثر عدداً في الجلسة الأولى لمجلس النواب، أما المعالجة الثالثة فمفادها إعادة النظر بقرار المحكمة الاتحادية العليا وتفسيرها السابق للكتلة الأكثر عدداً، عن طريق اعتماد تفسير مقيَّد يربط الكتلة الأكثر عدداً بنتائج الانتخابات، لا بالتحالفات اللاحقة المفتوحة.

    وانسجاماً مع ذلك، سنقوم في دراستنا هذه بالبحث والتحليل للمعالجتين الثانية والثالثة، ومدى إمكانية تطبيقهما من عدمه، أو تصويبهما بما يحقق المواءمة بين الجانبين القانوني والسياسي، مع سوق بعض الأمثلة حول تجارب الدول في هذا المجال، للانتهاء بوضع رؤية قانونية وسياسية مستقبلية يمكن الارتكاز إليها في حسم هذه الجدلية واعتمادها نهجاً شبه ثابت في تشكيل الحكومات اللاحقة.

    مع الأخذ بنظر الاعتبار أن المعالجة الأولى، وهي تعديل الدستور، أمر صعب غير قابل للتطبيق في الوقت الحاضر، وذلك لطبيعة الظروف الدستورية والسياسية والاجتماعية، وهو ما أكده المقال أيضاً.

    تعتمد هذه الدراسة على المنهج الوصفي التحليلي أساساً علمياً لدراسة الأزمة السياسية المتعلقة بتشكيل الحكومة العراقية، وقراءة تفسير المحكمة الاتحادية العليا لمفهوم الكتلة النيابية الأكثر عدداً، وذلك عن طريق جمع وتحليل المواد الدستورية والقوانين ذات العلاقة، بما في ذلك النصوص الدستورية (المادة 76 من دستور جمهورية العراق لسنة 2005)، وقرار المحكمة الاتحادية العليا (قرار رقم 25/اتحادية/2010)، معتمدين على النظريات السياسية في دراسة الفقه الدستوري المقارن في هذا السياق.

    كما يعتمد هذا المنهج على تفسير النصوص وفهم تأثيرها على تشكيل الحكومة والتحالفات السياسية، من خلال التحليل المقارن للتجارب الدولية، بما يحقق قراءة دقيقة للعلاقة بين إرادة الناخبين وآليات تكوين الكتلة الأكبر، واستقرار النظام البرلماني في العراق، وبما يُمكن من تقديم تفسير علمي ومتوازن لمقترحات المقال وقرارات المحكمة، ويربط بين الأطر الدستورية والواقع السياسي والاجتماعي للدولة.

    لقراءة المزيد اضغط هنا