أقام مركز البيان للدراسات والتخطيط بالشراكة مع معهد أنديشه سازان نور للدراسات الاستراتيجية الايراني، منتدى البيان للتنمية المستدامة تحت عنوان “الاستدامة البيئية والأمن المائي: آفاق التعاون الفني بين العراق وإيران”، بمشاركة رسمية وأكاديمية واسعة من البلدين، لمناقشة التحديات المناخية المشتركة وسبل تعزيز التعاون الثنائي في مواجهة الأزمات البيئية المتفاقمة.
وافتتح المنتدى وكيل وزارة الخارجية العراقية للعلاقات الثنائية السيد محمد حسين بحر العلوم حيث شدد في كلمته ان المياه ليس موردا طبيعيا فحسب وإنما ارث انساني وخط الدفاع الأول للصحة العامة والاستقرار الاجتماعي بالنسبة للعراق. وأشار بحر العلوم الى ان ازمة المياه في العراق تتجاوز بعدها البيئي لتطال صميم حقوق الانسان والتنمية المستدامة وهو تهديد للأمن الوطني والمجتمعي في البلاد. ونوه وكيل وزارة الخارجية الى الأرقام والاحصائيات الوطنية والدولية التي تؤكد هشاشة الواقع البيئي في العراق مضيفا ان العراق من اقل الدول في الانبعاثات الكاربونية لكنه الأكثر تأثرا بتداعياته لا سيما انخفاض مناسيب المياه الواردة من الدول المجاورة بنسب تقارب السبعين بالمئة، داعيا الى تعاون إقليمي واسع للحفاظ على الحياة الايكولوجية للأنهار والاهوار ومكافحة التصحر في المنطقة.
فيما أشار الدكتور علي سلاجقة نائب رئيس الجمهورية الإيرانية السابق لشؤون البيئة الى الإجراءات الفنية الممكنة لإدارة الموارد المائية إضافة الى المبادرات المبتكرة الممكنة للحفاظ على البيئة في إطار مشروع إقليمي واسع.
وعقدت خلال المنتدى ثلاث جلسات رئيسة تناولت محاور فنية واستراتيجية متعددة، ناقش فيها مسؤولون حكوميون في وزارات الموارد المائية والبيئة والزراعة الى جانب باحثين مختصين في مجالات التربة والمياه من الجانبية العراقي والإيراني الملفات التخصصية ذات الصلة.
ناقشت الجلسة الأولى، آليات الإدارة المتكاملة للموارد المائية، لا سيما الأنهار والبحيرات والمسطحات المائية المشتركة، والأراضي الرطبة العابرة للحدود. وشدد المشاركون في الجلسة وهم الدكتور صادق جواد المستشار في الموارد المائية بهيئة المستشارين في رئاسة الوزراء، والدكتور انمار جودة السعدي رئيس قسم المياه الدولية في وزارة الموارد المائية، والدكتور رضا نجاد أستاذ كلية الموارد الطبيعية بجامعة طهران، والدكتور مهدي ضرغامي أستاذ كلية الحوكمة بجامعة طهران، حيث أكدوا على أهمية التحول من نمط التنافس إلى التكامل، معتبرين أن التكامل ليس مجرد خيار فني، بل ضرورة استراتيجية تتعلق بالأمن القومي للبلدين تفرضها الظروف المناخية والبيئية الحالية.
كما أكد المشاركون ضرورة مأسسة التعاون الثنائي بين البلدين الجارين، والانتقال من التعاون البروتوكولي إلى عمل مشترك يرتكز على الجوانب الفنية، لمواجهة التحديات البيئية ذات الاهتمام المشترك. ودعوا إلى تعزيز التعاون استناداً إلى الاتفاقات الدولية التي تحدد المسؤوليات والحصص المائية بين الدول المتشاطئة، ضمن إطار هندسي وقانوني واضح، مع توحيد المصطلحات الفنية بما يقلل من التأويلات السياسية ويؤسس لتفاهم قائم على أسس علمية بحتة.
كما تناولت الجلسة الثانية، التي شارك بها كل من الدكتورة اسيل مجيد مديرة قسم مراقبة وتقييم نوعية التربة في وزارة البيئة العراقية، والأستاذ فيصل كاظم الساعدي معاون مدير عام دائرة الغابات ومكافحة التصحر بوزارة الزراعة، والدكتور علي سلاجقة نائب رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية السابق لشؤون البيئة، الآثار السلبية الناجمة عن ظاهرتي التصحر والعواصف الترابية التي يشهدها العراق والدول المجاورة، وانعكاساتها على الداخل العراقي والمحيط الإقليمي، بوصفه بلداً متأثراً ومؤثراً في آن واحد. كما استعرضت المشاريع المنفذة في إطار مكافحة التصحر، بما في ذلك إنشاء الأحزمة الخضراء والواحات الخضراء.
وأكد المتحدثون أهمية إنشاء منظومة رصد وإنذار مبكر لمراقبة حركة التربة، خصوصاً في المناطق الحدودية، ورصد التحولات التي تطرأ عليها، لا سيما بعد موجات السيول في مواسم الفيضانات. وشددوا على ضرورة اعتماد حلول استباقية تحدّ من العواصف الترابية أو تقلل من حدّتها، من خلال تنسيق فني وميداني مشترك.
أما الجلسة الثالثة، فقد خصصت لمناقشة سياسات المناخ ومسارات التحول نحو الاقتصاد الأخضر، اذ شارك في الجلسة الدكتور لؤي الخطيب وزير الكهرباء الأسبق، والأستاذ أنس مرشد المدير التنفيذي لمجموعة المرشد، والدكتور مظاهر معين الديني أستاذ كلية البيئة بجامعة طهران، اذ أكدوا ضرورة مراعاة مصالح الأجيال القادمة، والتركيز على ثلاثية الأمن والطاقة والأمن الغذائي. كما تناولت العوامل المؤثرة في الاقتصاد الأخضر، مشيرة إلى توقف العديد من المشاريع التنموية، الزراعية والصناعية، بسبب شحّ المياه.
وأكد المشاركون أهمية الدور المحوري للدولة في دعم وتعزيز المشاريع المستدامة، أسوة بالقطاعات الاقتصادية الأخرى، والعمل على تفعيل وتحديث التشريعات بما يسهم في النهوض بقطاع الاقتصاد الأخضر، بوصفه أحد المسارات الحيوية لتحقيق التنمية المستدامة.
واختُتم المنتدى بالتأكيد على أن التحديات البيئية والمائية المشتركة بين العراق وإيران هي جزء من عمل إقليمي أوسع تستدعي بناء شراكات فنية مستدامة، قائمة على التكامل وتبادل الخبرات، بما يسهم في تحقيق الأمن المائي والبيئي، وتعزيز الاستقرار والتنمية في المنطقة.

























