لا تنبع أهمية المحادثات الأمريكية–الإيرانية من مضمونها التفاوضي المباشر، ولا من احتمالات نجاحها أو فشلها في التوصل إلى اتفاق محدد، بل من السياق البنيوي المعقد الذي أعاد إنتاجها بوصفها خياراً شبه إلزامي لكلا الطرفين. فهذه المحادثات لا تعكس تحسناً فعلياً في العلاقات الثنائية، ولا تشير إلى تحول نوعي في التصورات الاستراتيجية المتبادلة، بقدر ما تعبّر عن لحظة توازن سلبي فرضتها حدود القوة وحدود الردع في آن واحد.
تأتي هذه المفاوضات في بيئة إقليمية ودولية تشهد تآكلاً في أنماط الضبط التقليدية للصراعات، وتراجعاً في قدرة القوى الكبرى على فرض تسويات شاملة، مقابل تصاعد أنماط إدارة الأزمات المؤقتة. وفي هذا السياق، تبدو العلاقة الأمريكية–الإيرانية مثالاً واضحاً على صراع بلغ مستوى من التعقيد جعل الاستمرار في المواجهة المباشرة مكلفاً، والتوصل إلى تسوية نهائية مستقرة شبه مستحيل، ومن ثم يصبح التفاوض مساحة وسطى لإدارة هذا المأزق.
تعكس المحادثات، من جهة، مأزقاً أمريكياً في التعامل مع توسع نفوذ إيراني خارج منطق الردع التقليدي، مستنداً إلى أدوات غير متماثلة وشبكات نفوذ عابرة للحدود، إذ لم تفلح العقوبات الاقتصادية ولا التهديدات العسكرية في تقويضه بشكل حاسم. كما تعكس، من جهة أخرى، مأزقاً إيرانياً موازياً يتمثل في صعوبة تحويل هذا النفوذ الإقليمي إلى مكاسب استراتيجية مستدامة، في ظل كلف اقتصادية متراكمة، وضغوط اجتماعية داخلية، وتزايد العزلة السياسية، بما يحد من قدرة طهران على الاستمرار في سياسة التصعيد المفتوح دون تعريض استقرارها الداخلي لمخاطر جدية.
من هذا المنظور، لا تبدو المفاوضات خياراً نابعاً من تقارب في الرؤى أو من إرادة مشتركة لإعادة بناء العلاقة، بل أداة وظيفية لإدارة اختلالات قائمة، وآلية لضبط السلوك المتبادل ضمن سقوف محسوبة، دون المساس بجوهر الصراع أو إعادة تعريف أسسه. وهو ما يفسر الطابع الدوري والمتقطع لهذه المحادثات، وغياب التراكم المؤسسي فيها، وتحولها إلى مسار قابل للتعليق والاستئناف بحسب تبدل موازين الضغط، دون أن يترتب على ذلك كلفة سياسية كبرى على أي من الطرفين.
الأهم من ذلك، أن هذه المفاوضات تكشف عن تحول أعمق في طبيعة الصراع نفسه، من كونه صراعاً قابلاً للحسم أو التسوية، إلى صراع يُدار عبر أدوات متعددة تتراوح بين الردع، والتفاوض، والتصعيد غير المباشر. وفي هذا الإطار، لا تمثل المحادثات الأمريكية–الإيرانية نقيضاً للصراع، بل أحد تجلياته، وجزءاً من ديناميته المتحركة التي تبقي التوتر تحت عتبة التصعيد غير المسيطر.




