زياد عبد الرحمن علي/ تدريسي في كلية العلوم السياسية – جامعة الموصل
أفرزت التحولات الجيوسياسية العميقة التي شهدها المشرق العربي منذ عام 2011 واقعاً سياسياً جديداً، أعاد طرح مسألة الحكم الذاتي بوصفها أحد الخيارات المطروحة لإدارة التنوع القومي والإثني داخل الدول متعددة المكونات. وفي هذا السياق، برزت التجربة الكردية في كلٍّ من العراق وسوريا بوصفها نموذجين متقاربين من حيث الانتماء القومي والبيئة الإقليمية، لكنهما متمايزان بصورة واضحة من حيث المسار والنتائج.
ففي حين نجح إقليم كردستان العراق في ترسيخ كيان سياسي يتمتع بشرعية دستورية ضمن إطار دولة اتحادية معترف بها دولياً، بقيت تجربة الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا محصورة في نطاق إدارة فعلية قائمة على السيطرة الميدانية. ولم تتمكن هذه التجربة، حتى الآن، من التحول إلى كيان يحظى باعتراف دستوري أو دولي، على الرغم من دورها العسكري والأمني البارز في مواجهة تنظيم داعش، وإدارتها لمساحات جغرافية وسكانية واسعة.
ويثير هذا التباين الجوهري بين التجربتين جملة من التساؤلات العلمية المركزية، تتعلق بطبيعة الشرعية السياسية، وحدود القوة العسكرية في إنتاج الكيانات السياسية، فضلاً عن دور السياقين الإقليمي والدولي في تحديد مصير مشاريع الحكم الذاتي. وتكتسب هذه الإشكالية أهمية إضافية في ضوء التطورات الأمنية والسياسية الأخيرة، ولا سيما المواجهات المتكررة بين القوى الكردية من جهة، والسلطات المركزية أو القوى الإقليمية من جهة أخرى، بما يعكس هشاشة بعض هذه التجارب وعمق الإشكال البنيوي الذي تعانيه.
تنطلق هذه الدراسة من فرضية مفادها أن نجاح أو إخفاق تجارب الحكم الذاتي لا يرتبط فقط بقدرة الفاعلين المحليين على فرض السيطرة أو إدارة الشأن العام بل يتحدد أساساً بمدى اندماج هذه التجارب في الأطر الدستورية للدولة الأم وقابليتها للتكيّف مع بنية النظام الدولي ومتطلباته القانونية والسيادية ومن هنا تسعى الدراسة إلى تقديم مقارنة تحليلية بين النموذجين الكرديين في العراق وسوريا بهدف تفسير أسباب التباين في المسار والمألات واستشراف آفاق كل تجربة في ظل التحولات الإقليمية والدولية الراهنة.




