د. مالك ثويني / مستشار دولي في أنظمة المؤهلات والسياسات الاستراتيجية
يُظهر الجدل العراقي العام حول الدولة ميلاً مفرطاً إلى التعامل مع الأزمة بوصفها أزمة فساد أو أزمة تمثيل سياسي فقط. غير أن الأدبيات المقارنة في بناء الدولة تشير إلى أن جوهر الإشكال غالباً ما يكمن في قدرة الدولة على الفعل. فالدولة القادرة ليست تلك التي تمتلك أفضل النصوص الدستورية، بل تلك التي تستطيع تحويل القرار السياسي إلى نتائج ملموسة في حياة المواطنين.
تكمن خطورة النموذج العراقي الراهن في أنه أعاد إنتاج الدولة بوصفها ساحة تفاوض دائم، لا جهاز إنجاز. فالقرار يُخشى منه قبل أن يُتخذ، والمشروع يُناقَش قبل أن يُصمَّم، والمحاسبة تُستَحضَر قبل التنفيذ لا بعده. وهكذا، يتحول القانون من أداة تنظيم إلى درع تعطيل، وتتحول السياسة من وسيلة لإدارة المصالح إلى نظام شلل مؤسسي. هذا الواقع لا يمكن فهمه أو معالجته عبر خطاب الفساد وحده، ولا عبر إصلاحات جزئية، بل يتطلب إعادة طرح السؤال الجوهري: هل يملك العراق دولة قادرة أم دولة متنازعة على الصلاحيات؟
تأتي هذه المقالة لتقارب هذا السؤال من زاوية غير مطروقة في الأدبيات العراقية السائدة. فهي لا تدعو إلى استنساخ التجربة الصينية، ولا إلى الارتهان للنموذج الأمريكي، بل إلى تفكيك ثنائية الهندسة والسياسة واستخلاص دروسها لبناء مسار عراقي ثالث، مسار يعترف بأن الدولة لا تُبنى بالقوانين وحدها، ولا تُدار بالنيات، بل تحتاج إلى جهاز تنفيذي محميّ مؤسسياً، قادر على اتخاذ القرار وتحمل كلفته، دون أن يتحول إلى سلطة متغوّلة أو معزولة عن المجتمع.
إن جوهر الأطروحة التي تنطلق منها هذه المقالة هو أن العراق لا يعاني من فائض سياسة فقط، بل من غياب هندسة الدولة؛ أي غياب الوضوح في الصلاحيات، وغياب التسلسل في القرار، وغياب الحماية المؤسسية للمنفذين، وغياب التمييز بين الخطأ الناتج عن الفساد والخطأ الناتج عن المحاولة. وفي ظل غياب هذه الهندسة، تصبح كل محاولة إصلاح عرضة للإجهاض، وكل مشروع ساحة صراع، وكل مسؤول هدفاً سهلاً للتصفية السياسية أو القانونية.
ومن هنا، تسعى هذه الدراسة إلى استخدام التجربتين الصينية والأمريكية كمرآتين نقديتين، لا كنموذجين معياريين. فالصين تكشف مخاطر فائض الهندسة حين تنفصل عن السياسة والإنسان، والولايات المتحدة تكشف مخاطر فائض السياسة حين تنفصل عن التنفيذ والإنجاز. أما العراق، فيقع عند نقطة الصفر بينهما، حيث لا الهندسة اكتملت ولا السياسة نضجت.
بناءً على ذلك، تحاول المقالة الإجابة عن سؤال استراتيجي مركزي: كيف يمكن للعراق أن يعيد بناء دولته على أساس القدرة على الإنجاز، دون التضحية بالتعددية، ودون الوقوع في فخ الدولة المتغوّلة؟ إن الإجابة عن هذا السؤال ليست نظرية، بل تمس جوهر الاستقرار السياسي، والتنمية الاقتصادية، وإعادة الثقة بين الدولة والمجتمع، في مرحلة مفصلية من تاريخ العراق الحديث.




