back to top
المزيد

    تغيّر المناخ جبهة صراع جديدة: هل مجلس الأمن مستعد لحروب بلا جيوش؟

    شامل زامل / باحث في مجال القانون البيئي وتغير المناخ

    لطالما ارتبط مفهوم الأمن بالصراعات المسلحة والتهديدات العسكرية التقليدية، إذ ترسم الجيوش والحدود والمعاهدات ملامح الصراع والسلام ضمن النظام الدولي، إلا أن التحولات العميقة التي يشهدها العالم اليوم تفرض إعادة النظر في هذا التصور، إذ أصبحت الطبيعة ذاتها تلعب دوراً فاعلاً في تشكيل ديناميات القوة وعدم الاستقرار. لم يعد التهديد يأتي من خصم مسلح أو قوة سياسية معادية، بل أصبح يتجسد في اضطرابات مناخية متزايدة الحدة، تترجم نفسها في موجات جفاف ممتدة، وتصحر يلتهم الأراضي الخصبة، وأعاصير وفيضانات تجتاح المدن، ونزوح جماعي يعيد رسم خرائط الديموغرافيا والسياسة. هذه التغيرات لا تعترف بالحدود، ولا يمكن احتواؤها عبر التحالفات العسكرية أو الردع التقليدي، بل إنها تخلق واقعاً أمنياً جديداً تتلاشى فيه الفواصل بين الطبيعة والسياسة، وبين البيئة والاستقرار. ففي عالم يتسارع فيه تفكك الأنماط المناخية المعتادة، تتزايد الصراعات غير التقليدية التي تضع البشر في مواجهة مباشرة مع تداعيات اختلال التوازن البيئي، حيث تصبح المياه ندرة استراتيجية، وتتحول الأراضي الخصبة إلى وقود للأزمات، ويصبح النزوح المناخي مادة خام لموجات عدم الاستقرار الاجتماعي والسياسي.

    في هذا السياق، يواجه مجلس الأمن معضلة غير مسبوقة تتحدى الأسس التي قام عليها منذ نشأته: كيف يمكن لمنظومة دولية تأسست على مفاهيم الحرب والسلام أن تتعاطى مع تهديد غير مرئي لا يمكن احتواؤه بالوسائل التقليدية؟ إن أمننة المناخ لم تعد مجرد طرح أكاديمي أو خطاباً سياسياً، بل أصبحت ضرورة ملحة في ظل تزايد المؤشرات التي تؤكد العلاقة الوثيقة بين التغير المناخي والصراعات المسلحة، والإرهاب، والاضطرابات الاجتماعية. ومع ذلك، فإن استجابة المؤسسات الدولية، وعلى رأسها مجلس الأمن، لا تزال مكبلة بالاستقطاب السياسي والتجاذبات الجيوسياسية. إذ فشل المجلس في تمرير قرار يعترف بتغير المناخ كتهديد للسلم والأمن الدوليين عام 2021، نتيجة تعارض المصالح الدولية واختلاف الرؤى حول طبيعة هذا التهديد.

    غير أن الإدراك المتزايد لتبعات هذه الأزمة دفع نحو تأسيس آليات أمنية متخصصة، مثل آلية الأمن المناخي، في محاولة للتكيف مع هذا التحدي المستجد. ومع ذلك، فإن السؤال الجوهري يظل قائماً: هل يمكن لمجلس الأمن، وهو كيان صُمم في زمن الحروب التقليدية، أن يعيد تعريف مفهوم الأمن بما يتناسب مع تهديدات لا يمكن مواجهتها بالجيوش والردع العسكري؟ وهل نحن على أعتاب عصر جديد، تصبح فيه المناخات المختلة ساحة صراع عالمي، تتجاوز فيه الطبيعة صفتها كمسرح للأحداث لتصبح هي الحدث ذاته؟

    تنطلق هذه الورقة البحثية من فرضية مفادها: إن التحولات المناخية أصبحت تمثل تهديداً غير تقليدي للأمن الدولي، وهذا ما يستدعي إعادة تعريف مفهوم الأمن وتكييفاً جديداً لأدوار المؤسسات الأمنية الدولية، وعلى رأسها مجلس الأمن، الذي يواجه تحدياً هيكلياً وسياسياً في التعامل مع هذه التهديدات غير القابلة للاحتواء بوسائله التقليدية. ولغرض الإجابة عن الأسئلة البحثية المطروحة أعلاه، وإثبات أو نفي الفرضية، سيتم تقسيم الورقة إلى.

    لقراءة المزيد اضغط هنا