د. صابرين ستار جبار/ باحثة
ترتبط عملية إيفاد المبعوثين الدبلوماسيين في العلاقات الدولية بطبيعة القضايا المطروحة بين الدول، وبالمجالات التي تستلزم فهماً معمقاً ودقيقاً لمجريات الموقف. إذ يُعدّ المبعوث أداة فاعلة لتقليص المسافات الدبلوماسية وتسريع قنوات التواصل المباشر، بهدف إدارة ملفات محددة أو التوصل إلى تفاهمات تسهم في احتواء الأزمات أو إنهاء الصراعات. ويجري اختيار المبعوثين وتحديد مهامهم استناداً إلى معطيات السياسة الدولية والظروف الداخلية والخارجية للدول المعنية، بما ينسجم مع أولوياتها الإستراتيجية ومصالحها العليا.
تُظهر تجربة إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تحولاً واضحاً في أسلوب واشنطن الدبلوماسي، إذ اعتمدت تلك الإدارة على بناء قنوات نفوذ موازية خارج الإطار الدبلوماسي التقليدي، من خلال توظيف دبلوماسيين سابقين ورجال أعمال وشخصيات ذات تأثير في المجتمع المدني والجاليات الأمريكية الناشطة في الشرق الأوسط. وقد عبّر المبعوث الرئاسي إلى الشرق الأوسط، ستيف ويتكوف، عن هذا التوجه عندما أشار إلى أن نهج ترامب الحاسم والبراغماتي يقوم على معالجة الصراعات المتجذرة بمنظور جديد واستراتيجية غير مألوفة. فالمبعوث الرئاسي في هذا السياق مارس دوراً أقرب إلى “المندوب السامي” ولكن بصيغة معاصرة، ما يعكس توجهاً يقوم على تجاوز القنوات الدبلوماسية التقليدية واللجوء إلى أدوات وتحركات مفاجئة تهدف إلى إعادة تشكيل موازين القوى بما يخدم المصالح الأمريكية.
ينسجم توقيت تعيين المبعوث الأمريكي الخاص إلى العراق مع سلسلة تحركات دبلوماسية منسقة شهدتها المنطقة، تمثّلت في تعيين مبعوثين خاصين لكلٍّ من لبنان وسوريا، وصولاً إلى العراق، وذلك بعد أكثر من عام على شغور منصب السفيرة الأمريكية في بغداد، وفي أعقاب مشاركة العراق في قمة شرم الشيخ للسلام. وقد عكس الرئيس دونالد ترامب في كلمته خلال القمة نظرته الخاصة إلى العراق حين قال: “لدينا العراق، لديهم كميات هائلة من النفط لدرجة أنهم لا يعرفون ماذا يفعلون به… وهذه بحدّ ذاتها مشكلة كبيرة عندما تملك الكثير ولا تعرف كيف تتصرف به.”
تكشف هذه العبارة عن إدراك ترامب لطبيعة التحدي الذي يمثله العراق في رؤيته السياسية والاقتصادية للمنطقة. ويثير توقيت تعيين المبعوث وهوية الشخصية المختارة تساؤلات عديدة حول طبيعة الدور الأمريكي المرتقب، والملفات التي سيُكلَّف المبعوث بإدارتها، سواء لتفكيكها أو لإعداد توصيات بشأنها تمهيداً لصياغة موقف أمريكي جديد يستند إلى قراءة دقيقة للعلاقات العراقية–الأمريكية.
ويُحتمل أن يرتبط ذلك أيضاً بمحاولات واشنطن لإعادة هندسة التوازنات الداخلية في العراق بما يتوافق مع سياسة إدارة ترامب في الشرق الأوسط، لا سيما أن التجارب السابقة للمبعوثين الأمريكيين في المنطقة – ممن فاق تأثيرهم أحياناً دور الدبلوماسية التقليدية – تؤشر إلى أن مهام المبعوث الجديد مارك سافايا قد تتجاوز الطابع البروتوكولي لتلامس ملفات استراتيجية معقدة تتعلق بإيران ولبنان وغزة. ومن هنا تنطلق هذه الورقة لمناقشة دلالات هذا التعيين، واحتمالات الدور الأمريكي المقبل في العراق عبر بوابة مهام المبعوث الخاص.




