د. علي عبد الرحيم العبودي – باحث في الشؤون السياسية والاقتصادية
تُعدّ العملة الوطنية جزءاً لا يتجزأ من سيادة الدولة، إذ إن لكل دولة مستقلة وذات سيادة سياسات خاصة بها تقوم بتنظيمها بما يتوافق مع واقعها ومصالحها الوطنية. ومن أهم هذه السياسات السياسة المالية للدولة، حيث تسعى الدول كافة إلى ضبط سياساتها المالية عبر استراتيجيات متعددة تبدأ بإصدار عملة وطنية خاصة بها وتسويقها وضبط حجمها في السوق، ثم ربطها بالعملات الدولية الأخرى، وتحديد مخرجات ومدخلات السيولة الوطنية وما يقابلها من السيولة الأجنبية، فضلاً عن تحديد الإدارات العامة المعنية بإدارة العملة واستثمارها وفقاً لأكثر الخيارات فائدة.
وحال العراق في ذلك حال بقية دول العالم، إذ تسعى الحكومة العراقية دائماً للحفاظ على قيمة الدينار العراقي، وذلك عبر معادلة يكون طرفها الأول حجم المعروض من الدينار داخل السوق، وطرفها الثاني حجم غطاء العملة من العملات الدولية والمعادن النفيسة. ومن جهة أخرى، تسعى الحكومة إلى ضبط مدخلات العملة والمتسرب منها بحيث تقترب إلى درجة التساوي. ويُعدّ ضبط هذه السياسة أمراً ضرورياً جداً للدولة، إذ إن أي اختلال بين المعروض من العملة الوطنية وحجم غطائها قد يتسبب في انهيارها، كما أن الاختلال الكبير بين المستحصل من العملة والمتسرب منها قد يُدخل الدولة واقتصادها في دائرة العجز.
إن المتتبع الجيد للأوضاع الاقتصادية والمالية في العراق يلحظ في الآونة الأخيرة بعض المؤشرات الكلية التي تدل على أن السياسة المالية في العراق دخلت في حالة عجز. وليس المقصود بالعجز هنا عجز الإيرادات المالية مقابل النفقات فحسب، بل يشمل أيضاً عجزاً في ضبط المعروض من العملة المحلية، وتوفير السيولة الدينارية، والإيفاء بالتزامات الحكومة الداخلية من رواتب ونفقات تشغيلية أخرى. ويعدّ هذا الوضع بمثابة إنذار مبكر للآثار السلبية التي قد تصيب الاقتصاد الوطني بكامله مستقبلاً.
لذا، سنناقش في هذه الورقة البحثية أسباب وتداعيات أزمة السيولة الدينارية على الاقتصاد الوطني.
ولكن قبل الخوض في الأسباب المحتملة لنقص السيولة الدينارية وتداعياتها على الاقتصاد الوطني، علينا أولاً التعرف على أساسيات إدارة السياسة المالية في العراق.




