زهراء عبد الرزاق جبر/ باحثة أكاديمية في إدارة الصراع وبناء السلام
مدخل تحويل الصراع هو إطار تحليلي يركز على فهم الصراع والقضايا المرتبطة به من خلال دراسة جذوره البنيوية والثقافية والعلاقية والشخصية.
ينطلق هذا المدخل من سؤال جوهري: كيف نضع حداً لشيء هدام ونبني مكانه شيئاً مرغوباً؟ وهو ينظر إلى الصراع ليس كأزمة آنية فقط، بل كفرصة لإحداث تحول عميق في الهياكل والعلاقات التي تغذيه.
يهدف هذا المدخل إلى تعزيز عمليات التغيير المستدام من خلال التركيز على حلول جذرية بدلاً من المعالجات المؤقتة، وتحويل الصراع إلى مسار بناء يعيد تشكيل الواقع بطريقة أكثر عدلاً وإنصافاً. ومع أنه طور لفهم النزاعات الكبرى كالحروب والصراعات الدولية، إلا أن فاعليته تمتد أيضاً لتشمل المشكلات الداخلية في المجتمعات، مثل التوترات السياسية أو فقدان الثقة بالعملية الانتخابية.
في الحالة العراقية، يُفترض أن تمثل الانتخابات أداة لتعزيز الشرعية وبناء الثقة بين المواطن والنظام السياسي. غير أن الواقع يشير إلى العكس؛ فبعد خمس دورات انتخابية منذ عام 2005، لم تنتج العملية الانتخابية ثقة حقيقية، بل أسهمت في تعميق الفجوة بين المواطن والأحزاب السياسية، وهو ما ظهر بشكل بارز في انتخابات عام 2021، إذ سجلت أدنى نسبة مشاركة نتيجة العزوف والمقاطعة.
الصراع هنا ليس صراعاً دولياً، بل صراع داخلي ينطلق بين المواطنين والأحزاب السياسية التقليدية التي تشكل النظام السياسي. وهو تعارض وتناقض في المصالح والأهداف بين الطرفين، إذ تميل الأحزاب التقليدية إلى الحفاظ على مصالحها على حساب تطلعات المواطنين، مما يؤدي إلى فقدان الثقة وانتشار ظواهر العزوف والمقاطعة.
بناءً على ذلك، تنطلق مشكلة هذا البحث من تساؤل أساسي: رغم أن الانتخابات يفترض أن تعزز ثقة المواطنين بالنظام السياسي، إلا أن الأمر انعكس في العراق بشكل مختلف، إذ تجلت حالة عدم الثقة لدى أغلبية كبيرة من المواطنين. وعليه، يسعى البحث إلى تحليل هذه الإشكالية عبر ثلاثة مستويات: البعد البنيوي، والبعد الثقافي، والبعد العلاقاتي، في محاولة لفهم جذور المشكلة واقتراح معالجات واقعية تسهم في إعادة بناء الثقة بين المواطن والنظام السياسي.
وقد تم تقسيم هذه الورقة إلى أربعة محاور رئيسية: يتناول المحور الأول المفهوم الأكاديمي لتحويل الصراع بوصفه الإطار النظري الذي تستند إليه الدراسة. أما المحور الثاني فيعرض القضية العراقية وظاهرة العزوف والمقاطعة الانتخابية وآفاقها المستقبلية. بينما يركز المحور الثالث على تحليل الظاهرة وفق أبعاد تحويل الصراع الثلاثة (البنيوي، الثقافي، العلاقاتي). وأخيراً، يتضمن المحور الرابع المعالجات المقترحة التي تستند إلى منظور تحويل الصراع.




