رغد قاسم، باحثة وناشطة مدنية – بغداد

من أهم التحديات التي تواجها المرأة في بيئة العمل هي التعرض للتحرّش والابتزاز الذي يجعلها بين خيارين أسهلهما صعب: إما السكوت والرضوخ، وإما ترك العمل.

إن التحرش الجنسي في العمل هو أحد أشكال التمييز الجنسي غير القانوني، إذ يعرف قانون العمل العراقي رقم (37) لسنة (2015) التحرش الجنسي بأنه: “أي سلوك جسدي أو شفهي ذي طبيعة جنسية، أو أي سلوك آخر يستند إلى الجنس، ويمسّ كرامة النساء والرجال، ويكون غير مرغوب وغير معقول، ومهيناً لمن يتلقاه؛ ويؤدي إلى رفض أي شخص أو عدم خضوعه لهذا السلوك -صراحةً أو ضمناً-؛ لاتخاذ قرار يؤثر على وظيفته”.

ومن المصادر التي اُعتُمِدت لمعرفة انتشار هذه الحالة، هو الاستبيان الذي أُجري عبر موقع الفيس بوك، واستعرضت نتائج الاستبيان على 595 عينة عشوائية من العراق وكانت نسبة الفئة العمرية الأعلى 68% مبحوثات للفئة العمرية 19-30 سنة، والأعلى من بين محافظات العراق هي بغداد بنسبة 67%.

وأظهرت النتائج  أيضا أن 80% من النساء سمعن أو شاهدن حالات تحرش في أثناء العمل بينما 42% تعرضن للتحرش بنحو مباشر، و27% منهن اضطررن إلى ترك العمل، و19% منهن اضطررن إلى تقديم تنازلات للحصول على عمل.

تحظر المادة 10 من قانون العمل العراقي: “التحرش الجنسي في الاستخدام والمهنة سواء كان على صعيد البحث عن العمل، أو التدريب المهني، أو التشغيل، أو شروط وظروف العمل. كما يحضر أي سلوك آخر يؤدي إلى إنشاء بيئة عمل ترهيبية، أو معادية، أو مهينة لمن يوجه إليه هذا السلوك”.

وبحسب الاستبيان فإن 98% من النساء اللاتي تعرضن للتحرش لم يقمن برفع دعاوى قضائية ولم يخبرن صاحب العمل خوفاً من فقدان العمل، أو خوفا من الافصاح به بسبب العادات والتقاليد الاجتماعية الى تحول الى استضعاف النساء وعدم تمسكهن بحقوقهن.

على الرغم من وجود قوانين لمكافحة التحرش إلا أن التحرش يعدُّ أحد المعوقات التي تواجه النساء في بيئة العمل، إذ يتعرض الكثير منهن إلى مضايقات من قبل المدير، أو الزملاء، أو العملاء الذي يتم التعامل معهم.

ترتفع نسب التحرش في القطاع الخاص لتصل إلى 70% مقارنة بالقطاع العام؛ وذلك لعدم رضوخ الكثير من الشركات والمؤسسات إلى القوانين، والتعليمات التي تنصّ على تجريم التحرش، حيث أغلب شركات القطاع الخاص لا توجد لديها سياسة واضحة تعرف الموظفين بحقوقهم وما الإجراءات التي يجب اتباعها عند تعرضهم لمضايقات.

وقد أكدت 83%  منهن بعدم وجود جهات مختصة لحمايتهن في أثناء تعرضهن للتحرش، وهناك ضعف حقيقي في تفعيل القوانين والتعليمات في قطاعي العمل العام والخاص. ويعود السبب الرئيس لعدم الإفصاح عن مثل هكذا حالات إلى عدم اطلاع المرأة بحقوقها الدستورية والقانونية التي تخصها في العمل، إذ اعترف 45% ممن شاركن في الاستطلاع بعدم معرفتهن بحقوقهن.

والجدير بالذكر أنه لا توجد منظمات مختصة بالتحرش، لكن توجد محاولات للمنظمات الداعمة لحقوق المرأة وتمكينها من العمل على التحرش برفع بعض التوصيات لصناع القرار للعمل على تشديد القوانين، وتشجيع النساء للإفصاح عن تلك الظاهرة.

في هذا الصدد تمت مخاطبة مديرية الشرطة المجتمعية التابعة لوزارة الداخلية وتعمل هذه المديرية على (وقاية المجتمع من الجريمة، وحالات التعنيف، وتطبيق مبدأ العدالة التصالحية، وبرامج السلم المجتمعي التي تخص المناطق المحررة)؛ للتعرف على عدد القضايا المرفوعة والشكاوى المستلمة بشأن التحرش، وقد صرح أحد المسؤولين في المديرية بأن لا قضية مرفوعة حتى الآن، ولم ترفع شكوى بهذا الموضوع؛ عازياً السبب إلى تقاليد المجتمع، وعدم وعي الكثير بتقديم شكاوى، فقمنا بتوجيه سؤال آخر: هل يوجد رقم ساخن للإبلاغ عن التحرش؟ فأجاب: لا يوجد رقم ساخن مخصص لاستقبال الشكاوى لهكذا حالات؛ بسبب قلة الدعم من الحكومة، والمنظمات لهذه المديرية؛ لكن يوجد تعاون مع منظمة الهجرة الدولية، والمكتب الاستشاري في جامعة بغداد للعمل على إطلاق تطبيق إلكتروني في بداية عام 2019.

إن الكثير من النساء يفضلن الصمت على الإبلاغ بسبب ذكورية المجتمع التي تبرر كل فعل للرجل على حساب المرأة، وبسبب تحفظ الكثير منهن بسبب العادات والتقاليد التي ترسخ مفاهيم الرضوخ والسكوت والاستضعاف في محاولات لإقناعهن بأن المكان الحقيقي للمرأة هو البيت، وهن لسن بحاجة للعمل، وإن مسألة الاعتماد على أنفسهن ما هي إلا مفاهيم دخيلة على المجتمع.

ومن هنا وبعد معرفة مدى انتشار الحالة وتوسعها وبيان أسبابها نقترح بعض الحلول:

  • اهتمام الحكومة من خلال:
  1. ضرورة تشديد القوانين التي تحاسب المتحرشين جنسياً.
  2. إنشاء مؤسسات لمكافحة التحرش.
  3. تخصيص رقم ساخن للإبلاغ عن الحالات.
  4. تدريب ملاكات مختصة للاستماع للحالات، وإيجاد الحلول المناسبة.
  5. حصول موظفي القطاع العام والخاص على تدريبات دورية لمعرفة السياسات والإجراءات التي تتبعها شركات القطاع الخاص لمكافحة التحرش.
  6. صياغة تعليمات لسياسة العمل تعمم على القطاعين العام والخاص.
  7. رصد الحالات ومراقبتها، وتفعيل وسائل الإعلام للتركيز على الظاهرة.
  • اهتمام منظمات المجتمع المدني من خلال:
  1. إعداد برامج توعوية لدعم المرأة.
  2. عمل برنامج عمل مشترك لعمل توعية في المدارس والجامعات.
  • تعزيز ثقافة احترام المرأة من خلال الدور الديني والعشائري وذلك بدعم القوانين التي تدعم حقوق المرأة بنحو عام وحق المرأة في العمل بنحو خاص.
  • يجب أن تتضافر جهود القطاع العام والخاص مع منظمات المجتمع المدني للحد من هذه الظاهرة وعدم الاستهانة بها.

وعلينا جميعاً الالتزام بجعل أماكن العمل آمنة، وحافظة لكرامة الجميع وحقوقهم، فحق العمل بكرامة حق من حقوق الإنسان المكفولة للجميع.