إذا استطاعت فرنسا اليوم الادعاء بتفاخر بأن لها تراثاً ديمقراطياً طويلاً، فإن مسيرتها نحو هذه الحرية المؤسسية لم تكن بالأمر الهيّن. وبنحوٍ مشابه لمعظم نظرائه الغربيين، بدأ تأريخ فرنسا الدستوري تحت الحكم الملكي المطلق.
وتعتقد الباحثة أن الأمر الأكثر صلة بالتطور الديمقراطي لفرنسا هو أنها مستعدة للالتزام بالاستمرارية في فكرها السياسي، فإذا كانت فرنسا قد واجهت العديد من النوبات السياسية والمؤسسية المظلمة في السابق -وذلك حينما تخلت عن استقلالية الجمهورية أو الحكم الملكي مقابل الحكم العسكري للإمبراطورية- إلا أنها استندت إلى خبراتها لإيجاد صوتها الفريد وتأكيد لهجتها السياسية، وإن حال فرنسا اليوم ما هو إلا نتيجة للدروس التي تعلمتها من أخطائها أكثر من نجاحاتها الماضية.
لقد نشأت الجمهورية الفرنسية الخامسة -التي تعد نتاج الفكر الدستوري لفرنسا وتأريخها الاجتماعي والسياسي- في الرابع من تشرين الأول عام 1958، وانمازت بحاجتها إلى ترسيخ جوهر الدولة القومية من طريق الفصل بين الكنيسة والدولة (الدين والسياسية)، وتكمن الشخصية الحقيقية لفرنسا في تحديدها لمفهوم السلطة، وتأكيدها على السلطة وليس على السياسة التي تعد أمراً مؤقتاً. ومن المثير للاهتمام أن هذا المفهوم أعلنته السلطة الملكية لأول مرة.
كتب ورثةُ عصر النهضة (الدستورَ الفرنسي) لأول مرة بعد أعقاب ثورة عام 1789، بيد أن أسسه القانونية بقيت متجذرة في قانون ساليك والنظرية القانونية. فإذا كان الفرنسيون مستعدين للتخلص من السلطة الملكية، فإنهم مع ذلك يرون انعكاسهم السياسي في تلك المبادئ والقوانين التي تحدد مصدر السلطة السياسية؛ إذ كانت مسيرة فرنسا الديمقراطية تتطلب سلسلة من الفترات الانتقالية، فكل نتيجة للتجارب الاجتماعية والسياسية، وكل تعبير عن إرادة شعبية، وكل صياغة لأي فكر سياسي على مر القرون، أدى في نهاية المطاف إلى ولادة الجمهورية الخامسة.
إذا كان لابد من استخلاص درس من النموذج الفرنسي، فإن الديمقراطية تستغرق وقتًا، إذ إنه لا يستغرق وقتاً لصياغته فحسب، بل يستغرق وقتاً أيضاً ليصبح واقعاً مؤسسياً. ولكن الأهم من ذلك -وربما كان هذا الدرس الأكبر حتى الآن- هو أن الأمة لا يمكن ولا ينبغي لها أن تكون موجودة خارج تراثها السياسي وتأريخها.
وكي تتواجد أمة معزولة عن ماضيها ومعتقداتها في فراغ مؤسسي كهذا، فإن تراثها سيكون بمنزلة إدانة لنفسها بفشلها الديمقراطي. ولا يتعين على الديمقراطيات أن تكون مثالية طالما أنها مملوكة للأفراد الذين تخدمهم، وتعمل على تمثيلهم.

لقراءة المزيد اضغط هنا