في كلمته خلال المنتدى الاقتصاديّ العالميّ في مدينة دافوس السويسريّة شدّد الرئيس الفرنسيّ إيمانويل ماكرون بوضوح على عزمه بأن تستعيد فرنسا موقعها بين الدّول العظمى، وتعيد تأكيد نفسها كشريك استراتيجيّ متعدّد الأقطاب، مجسداً ذلك في ثلاث كلمات: “فرنسا قد عادت”.

وخلافاً لسلفيه -وكما ذُكِر في كتابه “الثورة”- فإن لدى الرئيس ماكرون رؤية يعتقد من خلالها أنها ستسمح لفرنسا بالظهور كجهة فاعلة مرّة أخرى، مدافعاً عن القيم التي تجسدها الجمهوريّة الفرنسيّة: “الحريّة والأخوّة والمساواة”. فإذا كانت الأقوال القديمة الخاصّة بالجمهوريين السابقين تثير السخرية لدى بعض الخبراء على مرّ السنين؛ بسبب التعصّب العلمانيّ الفرنسيّ تجاه الأقليات الدينيّة، فضلاً عن الشعور بالتفوّق العرقيّ في ردودهم حول الهجرة، فيعتقد ماكرون أنه بإمكان فرنسا العودة إلى طبيعتها الحقيقيّة في ظلّ المناخ السياسيّ الصحيح. وإن هذا الاعتقاد الذي يجب أنْ يُفرَضَ تأثيرُهُ داخل حدود الجمهوريّة هو ما سيجعل فرنسا شريكاً جذاباً. ولكون فرنسا عضواً دائماً في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، فإنها تحت رئاسة إيمانويل ماكرون ستتحصّل على السلامة العقلانية والنهج البراغماتي.

ويمكن تلخيص الرؤية الفرنسيّة التي رسمها الرئيس ماكرون في السطور التي كتبها دفاعاً عن الجمهوريّة في عام 2015 وذلك قبل وصوله للسلطة، يقول ماكرون: “إن هذه المهمّة التي حملتها فرنسا على عاتقها لعدّة قرون، هو ما سيمنحها مكانتها المستحقّة، وهي المهمّة نفسها التي تركت التأثير التأريخيّ لفرنسا لدى العالم، فقد شاركت هذه الدولة في نقل الأفكار النيّرة لتحرير العالم من الجهل والأديان التي من شأنها استعباد الأفراد، والعنف الذي ينفي وجود الفرد، وذلك منذ عصر النهضة من خلال التنوير، ومن خلال الثورة الأمريكية، وحتى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ومكافحة الاستبداد، وانطلاقاً من رغبة الشعب الفرنسيّ الذي يطمح بأن تكون فرنسا الجهة التي ستحارب الظلم والاستبداد في العالم على الدوام، ورغبة عميقة في إخبار الآخرين بمفهومهم عن العالم لصالح الجميع.

إن المبدأ الأساس لدى كتّاب الموسوعة (Encyclopaedists) وعلى رأسهم ديديروت، هو على الأرجح الطموح الانفعاليّ الذي يمثّل الرغبة الفرنسية، فلا شيء يجافي الحقيقة الفرنسيّة أكثر من أن نحاول الرجوع إلى جوهرنا الحقيقيّ”.

وبعيداً عن المثالية الوطنيّة التي تسعى فرنسا إلى تحقيقها، يجب عليها أن تدرك أنها لو أرادت فعلاً عودة امتلاكها للسلطة فعليها أن تركّز في نشر صناعاتها بالشرق الأوسط من خلال اللجوء إلى الدبلوماسيّة والتطوّر السياسيّ.

وقد كتب الجنرال شارل ديغول في “مذكرات الحرب” (War Memoirs) حول موطن المفارقة في “قضية الشرق المعقد”: “على الرغم من المخاطر والتعقيدات كافة التي تواجهها باريس في المنطقة، إلا أنّ الشرق الأوسط ما يزال يحتفظ بمصالح استراتيجيّة لفرنسا، وهي مشروطة بقدرتها المستقبلية في تقديم سلطة تتناسب مع الأسواق الجديدة التي ستفتحها باريس. ولكي ندرك سياسات فرنسا في الشرق الأوسط إدراكاً كاملاً -ولاسيّما في منطقة الخليج- علينا أن نتقبّل الحقيقة المرّة: إن فرنسا ستعمل دائماً على وفق ما يصبّ في مصلحتها القصوى”.

إن الاعتراف بهذا الواقع لا يشير -بأي حال من الأحوال- إلى انتقاد الجنرال ديغول -بل العكس تماماً- إذ سيكون من عدم الفطنة لأي أمّة أن تتبع سياسات تتعارض مع مصالحها الذاتيّة، فالآن، يكمن مفتاح الحصول على السلطة باتباع الطرق التي تحقّق المصالح الذاتيّة.

وعلى مدى عدّة عقود، رسمت النخب السياسيّة الفرنسيّة -سواء أكانت تحت حكم نيكولا ساركوزي أم فرانسوا هولاند- طموحاتها الشخصيّة ودعمتها وعززتها، وبدلاً من السعي نحو تطوير الدولة القوميّة، كان سعيها يتّجه نحو تقدّم فئة ديمغرافيّة محدّدة، وهي “النخبة”؛ وقد شكّل ذلك صعوبة في فسح المجال أمام إنشاء التحالفات، وهو ما أشار إليه الكثيرون في فرنسا بـــــــ”السخرية من الاقتصاد الجامح”. فمثلاً، تحت رئاسة فرانسوا هولاند -التي انمازت بالتقرّب من المملكة العربيّة السعوديّة- انضمت باريس سياسيّاً ودبلوماسيّاً إلى تلك القوى، التي تتناقض مع قيمها الأساسيّة الداخليّة وتقاليدها، ويبدو أن إيمانويل ماكرون يرغب بكسر هذه الشراكات؛ فقد قال فرانسوا آيسا توازي -مؤسس مركز الأبحاث كابمينا والمستشار السابق للشرق الأوسط في كواي دورساي- في مقابلة أجريت معه: “إنّ عقيدة ماكرون تتمثّل في الحوار مع جميع الأطراف، لوضع نفسها كوسيط ذي مصداقيّة في الشرق الأوسط”.

ويسعى ماكرون إلى تنويع محفظته السياسيّة ليحقق مصالح فرنسا بنحو أفضل؛ وبالتالي يستعيد مكانته كوسيط استراتيجي للسلطة، التي فقدها الآخرون ولاسيّما الولايات المتحدة.

هنا تكمن الفرصة الذهبية

كتب مارتن جاي: “لا يمكن لأوروبا أن تتحمّل حرباً أخرى في الشرق الأوسط، ولاسيّما إذا كانت هذه الحرب يقودها نظام استبداديّ لا يرغب في تحمّل العواقب الاجتماعيّة والسياسيّة والماليّة لهذه التحرُّكات العسكريّة”.

إن على فرنسا أن تُدرك الأخطار التي تؤدّي إلى خلق مزيد من عدم الاستقرار في الشرق الأوسط، والتي ستؤثّر تباعاً على سلامة حدودها وسيادتها وأمنها القوميّ، وتكمن مصالح فرنسا في تحقيق السلام، وتعزيز الاستقرار السياسي. وتحت رئاسة ماكرون ستكون التحركات العسكريّة الخيارَ الثانيَ ضمن الأولويّات الأكثر إلحاحاً، إذ سيكون الشغل الأهم لدى الرئيس الفرنسي هو إعادة الإعمار؛ وهذا لا يعني أن فرنسا ستكون الشريك المثاليّ، إلا أنّ باريس الآن ستكون أكثر ميلاً نحو الإصغاء إلى المنطقة ككلّ، على عكس سياستها السابقة.

ما تأثير ذلك على العراق؟

إذا كان الرئيس ماكرون عازماً بالفعل على تحدّي الوضع السياسيّ الحاليّ في الشرق الأوسط، فهناك فرصة متاحة أكبر من أن يتمّ تجاهلها؛ إذ سيحتاج العراق إلى تكوين تحالفات استراتيجيّة جديدة ترتكز إلى المصالح التجاريّة المشتركة، والسياسة الجغرافية الحكيمة إذا كان يرغب حقاً بتحسين اقتصاده المضطرب الذي خسره في فترات الاستبداد والحرب.

وتعدُّ فرنسا شريكاً مثيراً للاهتمام ولاسيّما أنها تسعى إلى إظهار نفسها كقوّة عالميّة رائدة، غير أنّ النداء الرئيس الذي تعرضه الآن هو توجّهها نحو إنشاء دول مؤسساتيّة؛ إذ ترتكز إلى فكرة أن الفرنسيين هم أطفال الدولة، وهذا ساعد فرنسا في تطوير مؤسّسات حكوميّة قويّة.

وفي ظلّ الجمهوريّة الثالثة، اتّجهت الحركة الشعبية نحو الإصلاحات في قطاع التعليم لتمكين جميع المواطنين؛ وبالتالي تأكيد حقّ الحريّات المدنيّة، إذ كانت الفكرة هي تحرير الفرنسيين من قبضة الجهل، والظلام، وتقديم التغيير الاجتماعيّ؛ إذ تعد الحريّة موضوعاً مهمّاً جدّاً لفرنسا وحتى للرئيس ماكرون، إذ جعله الموضوع الأساس لبياناته السياسيّة.