في ذروة الأزمة الجزائرية-الفرنسية وتحديداً في 4 حزيران 1958 ألقى الرئيس الفرنسي الجنرال شارل ديغول خطاباً وضّح فيه مستقبل بلاده السياسي، ورسّخ فكرة أن المغامرات الفرنسية الاستعمارية قد انتهت بالفعل. وقال الجنرال -الذي وقف أمام جماهير اُختيروا مسبقاً في عاصمة الجزائر-: “لقد فهمتكم!”؛ فتلك الجملة قد أسيء فهمها في بداية الأمر كتعبير عن دعمه المضاد للتحرر السياسي والمؤسسي في الجزائر، لكن سرعان ما اتضح أن رؤيته كانت للمستقبل الذي يدور حول مفهوم استقلالية السيادة الذي كرس حياته المهنية للدفاع عنها، وتأكيدها كحق أساسٍ للبلد.

لقد رأى العديد من معاصري الجنرال ديغول أن أعماله تُعدُّ خيانة لفرنسا؛ فقد كان يسلك اتجاهاً معاكساً للسياسة المؤسسة الفرنسية آنذاك، ففي أحد اللقاءات قال ديغول للعضو السابق في المقاومة لويس تيرينوار في 18 أيار 1955: “إننا نشهد حركة عامة في العالم، نشهد موجة تدفع جميع الشعوب نحو التحرر، ولكن هناك حمقى لا يريدون أن يفهموا ذلك…”، إذ لم تتطلع طموحات ديغول إلى الاستعمار، بل في صعود فرنسا كقوة أوروبية؛ الأمر الذي قد يحد من القوة المالية والجرّ السياسي للطموح الأمريكي في الهيمنة.

وقد ذكر الجنرال هذه الأيديولوجية في تصريح له بمدينة ستراسبورغ في تشرين الثاني 1959: “أن أوروبا -من المحيط الأطلسي وحتى جبال الأورال- هي من ستحدد مصير العالم برمته”. وحينما استقبل موريس كلافيل في كولومبي عام 1956 أوضح له أنه يريد أن يكون استقلال الجزائر سياسياً بدايةً لتحدٍ عالميٍّ على الولايات المتحدة، ووسيلة للتقارب مع العالم الثالث. وابتداء من يونيو 1958. وأعد الجنرال لفكرة انسحابه من حلف الناتو برفض نشر الصواريخ الأمريكية في فرنسا، وقد أشار وزيره آلان بريفيت إلى أنّ “ديغول أراد وضع حد للقضية الجزائرية بنحوٍ سريع من أجل الانخراط في السياسة العالمية الكبرى بين الكتلتين، وهذا النوع من السياسة لا يستحق شخص آخر في فرنسا أن يقودها سوى الجنرال ديغول”.

لقد بقيت أوهام العظمة التي راودت ديغول لمدة طويلة مجرد أحلام لم تتحقق، إذ قبل ظهور أمريكا كقوة عظمى كانت القارة القديمة -بما فيها فرنسا- تتراجع بنحو كبير، وخضعت للنظام الجديد، فلم تهتم الدولة العظمى الجديدة بالتعاون مع أوروبا بل كانت أكثر اهتماماً بإيجاد دول تابعة لها. وبعد عدة عقود نجت فرنسا من محاولات الرئيس الأسبق جاك شيراك العابرة في الوقوف ضد الحشد العسكري الأمريكي عشية غزو العراق عام 2003، واستطاعت أن تحذو حذو الولايات المتحدة بدلاً من انتقادها.

أما الرئيس الفرنسي الحالي إيمانويل ماكرون فقد دخل حيز السلطة بعد مدة من الهدوء السياسي، فبعد توليه للسلطة، أعلنت فرنسا عن مطالبتها بأن تكون الوسيط الجديد في منطقة الشرق الأوسط، إذ تعدُّ بديلاً مثيراً للاهتمام للرئيس الأمريكي دونالد ترامب المحب للحروب.

ويلاحظ قرّاء الإبداع السياسي لماكرون أنها أتت في منعطف مثير للاهتمام، إذا أخذنا في الحسبان مدى تأزم الوضع في المنطقة في ظل تغير التحالفات الجيوسياسية (الابتعاد عن الكتلة السعودية بنحوٍ خاص)، وتعمق الأزمة الإنسانية في اليمن، والاتفاق النووي الإيراني، والانتخابات العراقية المقبلة.

ومع ظهور أزمة جديدة في المنطقة، بإمكان فرنسا حقاً أن تعيد بلورة نفسها من خلال إحياء تلك الروابط المفقودة، وإن كانت رؤية ماكرون السياسية مختلفة تماماً عن تلك التي امتلكها الجنرال ديغول، فسيكون من قلة الذكاء عدمُ رؤية النمط المشترك لكلا الجانبين المتمثل بالتأكيد السياسي من خلال التعاون على أساس القومية السيادية.

لقد دعا الرئيس الفرنسي ماكرون المجتمع الدولي إلى الحفاظ على حوار دائم مع إيران وليس إلى قرع طبول الحرب، مبتعداً بذلك عن الكتلة الأمريكية-الإسرائيلية-السعودية، وقال: “إن المسار الذي يتبعه حلفاؤنا الذين ينددون بالاتفاق النووي الإيراني -أي الولايات المتحدة، وإسرائيل، والمملكة العربية السعودية- هو الطريق الذي يمهد للحرب على إيران”، مشيراً إلى أن فرنسا تعد هذا المسار “استراتيجية متعمدة”، ولكنها ملتزمة بالحفاظ على التوازن في المنطقة.

وأضاف ماكرون: “إذا لم نكن حذرين، سينتهي بنا المطاف إلى إعادة بناء “محور الشر”، مشيراً إلى خطاب الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الذي استخدم هذا المصطلح لوصف الدول التي تتبع الأنظمة الدكتاتورية مثل: إيران، والعراق وكوريا، الشمالية.

وتعزّز هذا الدعم للسلام مع إيران من خلال اتباع ماكرون لقدر كبير من ضبط النفس في التصدي لموجة الاحتجاجات التي شهدتها إيران في شهر كانون الثاني الحالي 2018، وهو تناقض واضح لنهج واشنطن العنيف. بيد أن تحدي الرئيس ماكرون لم يسلم من الأوساط الفكرية والسياسية في فرنسا، فقال فرانسوا كليمنسيو -خبير في السياسة الدولية- في 2 كانون الثاني 2018: إن استراتيجية ماكرون في الشرق الأوسط تختلف اختلافاً كلياً عن تلك التي تتبعها البيت الأبيض؛ مما يؤدي إلى حدوث تصادم بين واشنطن وباريس.

ويرى الرئيس الفرنسي ماكرون ما تتعرض له المنطقة من آلام متزايدة ومحاولتها في تطوير المواءمة الجيوسياسية رؤيةً مخالفةً لرؤيةِ الرئيس الأمريكي ترامب الذي يميل إلى سحق تلك المحاولات خوفاً من أنها ستجبر التكفل بتحقيقها، إذ تبنى ماكرون موقفاً سياسياً شبيهاً لما يتبعه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، إذ إنه يدرك أن الانفراج السياسي، وحل النزاعات يسهل تنفيذهما بناءً على خلفية التعاون الاقتصادي الذي يحقق المنفعة المتبادلة.

وعلى نسق تحذيرات الرئيس الفرنسي للولايات المتحدة، فقد انتقدت وزارة الخارجية الروسية في كانون الثاني نهج واشنطن “المدمر” للاتفاق النووي، إذ اتهم نائب وزير الخارجية سيرغي ريابكوف الولايات المتحدة باستغلال الوضع الحالي في إيران كذريعة لتقويض الاتفاق النووي. وقال ريابكوف لوكالة (TASS) الروسية: “يظهر الوضع الحالي فشل واشنطن في اغتنام الفرصة لإقامة قضايا جديدة خاصة بخطة العمل المشتركة الشاملة، فهي تحاول متعمدة تقويض التزام المجتمع الدولي بخطة العمل المشتركة الشاملة وتدميره.

وعلى الرغم مما ذُكر آنفاً بشأن إيران إلا أنّ الحديث عن أي تقارب حقيقي بين باريس وطهران سابق لأوانه، بيد أن الرئيس الفرنسي ماكرون تمكّن من قطع مسافة كبيرة للتقارب من إيران، الذي يعدُّ تحولاً دراماتيكياً إذا قلنا إن كلاً من فرنسا وإيران كانا عالمين بعيدين عن بعضهما بعضاً منذ عام 1979.

ومن المثير للاهتمام أن نرى أن رغبة الرئيس ماكرون بممارسة ضبط النفس الدبلوماسي تجاه إيران كانت أقل وضوحاً عند تعامله مع العراق؛ ففي هذا الملف كانت الانتقادات الصادرة من قصر الأليزيه الحاكم ليبرالية أكثر، لكن خطة الرئيس ماكرون في العراق لمرحلة ما بعد تنظيم داعش تشمل تفكيك قوات الحشد الشعبي الشيعي، ففي مطلع كانون الأول 2017 دعا ماكرون -خلال مؤتمر صحفي عقده في فرنسا عقب اجتماع مع رئيس حكومة إقليم كردستان نيجيرفان البارزاني- إلى “تفكيك” جميع الميليشيات العراقية تدريجياً. وأضاف: “من الضروري أن يكون هناك تجريد تدريجي للسلاح، ولاسيما أسلحة الميليشيات الشيعية المستحدثة في السنوات القليلة الماضية في العراق”.

إنّ فهم الرئيس ماكرون للشؤون الخارجية من الممكن أن تترك طابعاً مميزاً لدى بعضهم، إلا أنّ رغباته تشير إلى أنّ فهمه للوضع في العراق على أرض الواقع ضعيف للغاية؛ ومثل هذه المواقف هي التي خففت من عزم بايس في مساعدة العراق في الوقت الذي يستعد فيه لإجراء انتخاباته المقبلة.

وقال ماكرون في خطابه للعام الجديد: “إن فرنسا عازمة على المسير باتجاه عدم تأثير القوى الخارجية على استقرار البلاد، في الوقت الذي يستعد فيه العراق لإجراء الانتخابات في آيار المقبل”.

إن رغبة فرنسا الجديدة في أن تكون وسيطاً للسلام من الممكن أن تثبت أنها شريان الحياة المفيد في المنطقة التي تعاني من انعدام الاستقرار والسياسة غير المعروفة. وبعد مرور عقود من خطاب الجنرال ديغول عن الحاجة إلى تحدي الإمبراطورية الأميركية، قد تكون فرنسا قد انبرت لمواجهة هذا التحدي وحددت مساراً لنهضة السياسة الأوروبية.