باتريشيا غوسمان، باحثة آسيوية بارزة في منظمة هيومن رايتس ووتش، وكانت رئيساً لبرنامج أفغانستان في المركز الدولي للعدالة الانتقالية.

كيف يقوض الفساد والانقسامات العرقية الحكم؟

في 31 من أيار للعام 2017، تسببت شاحنة مفخخة بمقتل نحو 150 شخصاً وإصابة مئات آخرين بجروح خطيرة في ساحة مزدحمة بالقرب من السفارة الألمانية وسط العاصمة الأفغانية كابول، وتجدر الإشارة هنا إلى أن عدد الهجمات الانتحارية في أفغانستان ظل في تزايد بالسنوات الأخيرة، وكان هذا الخرق هو الأعنف منذ العام 2001، وكانت تبعات هذا الانفجار هي الأسوأ؛ لأن المتمردين قاموا بهاجمة قلب العاصمة بنحوٍ مباشر.

وبعد عدة أيام، تجمع أقارب الضحايا وجماعات في المجتمع المدني بالقرب من موقع الانفجار للتعبير عن حزنهم وغضبهم، وقد انضم إليهم مجموعة من المعارضين السياسيين، إذ رأى بعضهم أن هذه الحادثة فرصة لاستغلال الغضب الشعبي، وقام مجموعة من النشطاء من انتماءات سياسية متباينة بتحشيد وسائل التواصل الاجتماعي، وبينما حاولت الحشود الضغط والوصول إلى القصر الرئاسي، فتحت قوات الأمن النار؛ مما أسفر عن مقتل سبعة أشخاص، وفي اليوم الثاني -في جنازة أحد القتلى-  قتل سبعة مواطنين وأصيب أكثر من 100 آخرين جراء هجوم انتحاري ثانٍ.

ومع أن هذه الهجمات تشكل خطراً جسيماً على الدولة، إلا أنها ليست سوى واحدة من التهديدات العديدة التي تواجه أفغانستان، فالسياسيون المتخاصمون الذين يثيرون التنافس العرقي قد يشكلون تهديداً أكثر خطورة؛ فأي مواطن كبير بالعمر من كابول قد شهد السنوات التي سبقت حركة طالبان -حينما انقسمت كابول بين فصائل عرقية تقوم بقصف أحياء بعضها بعضاً وارتكاب جرائم فظيعة ضد جماعات إثنية متنافسة- لديه سبب يدعوه إلى الخوف حينما يمارس السياسيون سياسات الاعتماد على الهوية، وعلى الرغم من أن العودة إلى حالة الصراع القديمة غير محتمل في الوقت الراهن، إلّا أن العديد من السياسيين لا يزالون يسيطرون على ولاء إخوتهم في العرق من العاملين في القوات الأمنية، فهذه الولاءات تسببت بالخلافات ويمكن أن تؤدي في نهاية المطاف إلى تجزئة خطيرة داخل قوات الأمن.

وقد زاد رد الفعل على هجوم 31 أيار من تلك الانقسامات ولاسيما بين النخب السياسية، ففي انتقادات خفية على هيمنة البشتون -مجموعة عرقية- في دائرة الرئيس أشرف غني الداخلية، أشار النقاد إلى “عمود خامس” داخل الإدارة، وقد انسحبت بعض جماعات المجتمع المدني التي كانت تخطط لحدث الثاني من حزيران، محترسةً من السياسيين الذين سرقوا الاحتجاجات، ولاسيما اللطيف بيدرام -رئيس حزب طاجيكستاني إثنوسنتري- المعروف بالثورات العنيفة، وضياء مسعود الذي فصل من منصبه كمستشار في الحكم الرشيد في 17 نيسان، وكان قد دعا سابقاً غني وحكومته إلى الاستقالة. ويبدو أن الرجلين رأيا الحدث فرصة لحشد مؤيديهما، وخلال التظاهرة وضعت بعض الحشود اللوم على الحكومة حول الشاحنة المفخخة، حتى أنهم اتهموها بــ”التعاون مع الإرهابيين”.

إجلاء أعضاء البرلمان الأفغاني بعد هجوم شنته طالبان، يونيو 2015.
إجلاء أعضاء البرلمان الأفغاني بعد هجوم شنته طالبان، يونيو 2015.

كل هذا يحدث بسبب عدم اليقين حول السياسة الأفغانية الأميركية، ومنذ آذار -حينما أعلن الجيش الأميركي أن عدد القوات قيد المراجعة- دعا المحللون من كابول واشنطن إلى مزيد من القوات أو أقل من أجل إقامة وضع خطوات أكثر صرامة مع باكستان أو أكثر تصالحية، وقد استغرقت المراجعة عدة أسابيع ومن ثم أشهر؛ فأصبح خلالها من الواضح أن سياسة إدارة ترامب تستلزم مزيداً من الدعم للقوات الحكومية الأفغانية المناضلة، ومزيداً من العمليات المشتركة، وسلطة أوسع للجيش الأميركي في شن الضربات الجوية ضد طالبان، ولكنها ليست استراتيجية سياسية لدعم الحكم الأكثر فعالية في أفغانستان، وهو نوع من الطرائق التي يمكن أن تخفف حدة التوتر العرقي من خلال تشجيع الشمولية بدلاً من الحكم من قبل رجال القوى، والمشاركة الواسعة في الحكومة من خلال انتخابات ذات مصداقية، ومحادثات حقيقية لتمهيد الطريق نحو إنهاء الحرب الأميركية الأطول عمراً.

كل هذه أخبار سيئة للمدنيين الأفغان الذين يموتون أو يتعرضون لإصابات خطيرة بأعداد أكبر الآن من أي وقت مضى منذ بدء الحرب الأميركية في أفغانستان في عام 2001، وعلى الرغم من أن هجمات المتمردين -منها تفجير الشاحنة في 31 أيار- تسببت في معظم الوفيات، فإن العدد المتزايد يعود إلى تصرفات القوات الأفغانية، ولاسيما في العمليات الجوية، إذ أدى عدم اكتمال عمليات التدريب والإجراءات إلى زيادة في الإصابات بين المدنيين، وفضلاً عن ذلك تعتمد قوات الحكومة الأفغانية اعتماداً كبيراً على الميليشيات التي تعمل خارج محور القيادة الرسمية ولها سجلات سيئة في مجال حقوق الإنسان، ومن دون استراتيجية سياسية على الجانب الأميركي للدفع من أجل الإصلاحات التي هي في أمس الحاجة إليها -بما في ذلك كبح الفساد والسيطرة على القوات الفاسدة- فإن المظالم التي دعمت الصراع ستتزايد.

وحتى بين الناشطين الشباب في أفغانستان -كثير منهم نشأوا خارج البلاد وعادوا مع أسرهم بعد عام 2002- يجد بعضهم أنهم يتعايشون داخل السياسة العرقية نفسها التي عرفت الحرب في زمن أبائهم؛ وعليه فإن إحباطهم حقيقي. وفي الأيام المبهجة التي سادت بعد التدخل الدولي عام 2001 وجد الأفغان الأمل في آلية التعمير الواسعة. لقد انتشر الفساد واستمرت الحرب، ولكن العنف كان في معظمه بعيداً عن كابول والمدن الرئيسة الأخرى وازدهرت المشاريع الجديدة، وكان كل شخص تقريباً يحمل الهواتف النقالة، وتداولت وسائل الإعلام الأفغانية داخل المدينة -إذ كانت غير موجودة فعلياً خلال سنوات حكم طالبان- دخول النساء قوى العمل بأعداد لم تشاهد منذ أيام الحكم الشيوعي، على الرغم من أنهن واجهن التمييز المنهجي والعنف والتحرش، وقد فتحت المدارس الخاصة والجامعات، وتوسعت المدارس التي تمولها الحكومة، مع حضور مزيد من الفتيات على حد سواء وإن لم يكن في أعداد كبيرة مبالغ فيها.

ولكن -ومع قدوم تلك الأيام المبهجة- كانت هنالك ملامح مشؤومة من أن الفساد يقوض التقدم في حقبة ما بعد طالبان، فكان جنود (الأشباح) -وهو نتاج رواتب العسكريين المبالغ فيها التي لم تتعرض للتسائل منذ سنوات- بداية لعملية تزوير مليارات من الدولار وابتزاز الأموال ومشكلات المحسوبية. وباعتماد الحكومة الأفغانية تماماً على المساعدات الخارجية، وعدم وجود رقابة، وجدول أعمال المانحين المتنافسين، وهاجس واشنطن بــ”الحرب العالمية على الإرهاب”، كان هناك المال للاستحواذ عليه. إذ كانت هنالك رشاوى تعطى من قبل كل طبقة من الحكومة، وأقرَّ المانحون بالمشكلة، ولكنهم كانوا يحمون برامجهم الخاصة، ولم يوقفوا أبدا الرشاوى، وأصبح القضاء دليلاً على الإيذاء المؤسسي الذي يتعين على الأفغان من العامة أن يتنافسوا عليه. وقد لاحظ أحد المدعين العاميين الذين التقيت بهم منذ سنوات أنه في السنوات الأولى بعد عام 2002 كان من الشائع أن يدفع شخص ما رشوة للقاضي من أجل إبعاد المشتبه به، وبعد خمس سنوات من الجهود الرامية إلى إعادة بناء السلطة القضائية، “لم تقُم الشرطة بالقبض على أي مشتبه به إلا إذا كان صاحب الرشوة”.

وقد ساعد الإحباط بين الأفغان من العامة إلى جانب ترحيب باكستان بدعم الجماعة الإرهابية للمساعدة على تشجيع عودة طالبان؛ فإلقاء اللوم على باكستان بسوء أفغانستان هو رد فعل مألوف بين السياسيين الأفغان، وهناك سبب كافٍ لإلقاء اللوم، وبعد أن دعمت باكستان حركة طالبان خلال التسعينات (رغم عقوبات الأمم المتحدة)، لم تتوقف في الحقيقة باكستان أبداً. لكن طالبان وجدت أرضاً خصبة في أفغانستان لأسباب تتجاوز دعم باكستان، والفشل الأساسي للولايات المتحدة والمانحين الآخرين الذين قاموا بتمويل الحكومة الأفغانية على مدى السنوات الــ15 الماضية لإنشاء مؤسسات تخضع لحد أدنى من المساءلة؛ والفساد المتفشي في صفوف الشرطة وقوات الأمن الأخرى؛ وانتهاكات حقوق الإنسان التي يرتكبها مسؤولون حكوميون وقوات أمن وميليشيات، جميعهم قاموا بخداع السكان بما فيه الكفاية بأن جماعة طالبان يمكن أن يحققوا تقدماً كبيراً، وهم الآن يسيطرون على أكثر من نصف البلد.

ولم تحصل قوات الأمن على دعم يذكر من خلال ردة فعلها على احتجاج 2 حزيران، ومن المؤكد أن المسيرات لم تكن سلمية تماماً؛ فقد قام بعض المشاركين بإلقاء الحجارة، وإصابة عدد من أفراد الشرطة، ونشر ناشطون صوراً لرجال مسلحين بين المجاميع، ولكن قوات الأمن -ولاسيما حرس القصر الرئاسي- لجأت إلى الذخيرة الحية قبل أن يكون هناك أي تهديد حقيقي للسلامة العامة بما فيه الكفاية لتبرير استخدام القوة المميتة؛ إذ إن استخدام مدفع المياه لتفريق الحشد ومن ثم إطلاق المدافع على رؤوس المتظاهرين في حد ذاته ممارسة خطيرة، إلا أن الشرطة أطلقت النار أيضاً على المجاميع المحتشدة؛ مما أسفر عن مقتل سبعة أشخاص في نهاية المطاف.

وقد يبدو مثيراً للصدمة أنه بعد 15 عاما من التدريب لم تكن الشرطة وقوات الأمن الأخرى على أهبة الاستعداد للتعامل مع مثل هذه الحالات، فمنذ عام 2001 أظهرت القوات الدولية في أفغانستان مهمتها في تدريب الشرطة كقوة لمكافحة التمرد لمحاربة القاعدة وطالبان، وليس في التعامل مع المظاهرات أو القيام بأعمال الشرطة المجتمعية، وبعد الاحتجاجات، تراجعت الحكومة، ووعدت أخيراً بإجراء تحقيق كامل وإقالة قائد حامية كابول ورئيس شرطة كابول، ولكن بما أن التحقيقات الحكومية لا تنوي الوصول إلى حل، فإن الإجراءات لم تفعل شيئاً يذكر لقمع غضب المتظاهرين.

ومنذ ذلك الحين، انتقد الناشطون المنقسمون عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ووصف بعضهم بعضاً بالديكتاتوريين أو المشاغبين لإثارة الكراهية العرقية. أما المتظاهرون فقد نصبوا خياماً في وسط كابول لإقامة الاعتصامات ومواصلة الضغط؛ من أجل تحقيق مطالبهم. ولأن العديد من الخيام أعاقت حركة المرور، أجبر الضغط العام المتظاهرين على إزالة معظم خيامهم، ومع ذلك -وخلال ليلة 19-20 حزيران- حاولت الشرطة إزالة واحدة من الخيام المتبقية واشتبكت مع المتظاهرين مرة أخرى وقد قتل متظاهر واحد خلال الاشتباكات.

يلعب الأطفال الأفغان بلعبة المسدسات في أول أيام عيد الأضحى في جلال أباد، تشرين الأول 2015.
يلعب الأطفال الأفغان بلعبة المسدسات في أول أيام عيد الأضحى في جلال أباد، تشرين الأول 2015.

في 28 من حزيران، هدد أحد النقاد الأقوياء لأشرف غني المحافظ عطا نور من مقاطعة بلخ “بإطلاق أقوى الحركات المدنية وأشدها خطورة”، واتهم الحكومة بأنها “ديكتاتورية”، وهو أمر مثير للسخرية؛ نظراً لأن عطا لا يتساهل مع المعارضة في مقاطعة بلخ؛ فقد سافر هو ومحمد محقق من حزب الوحدة إلى أنقرة الشهر الماضي؛ لإقامة تحالف مع النائب الأول للرئيس عبد الراشد دوستم الذي غادر أفغانستان في 19  أيار في محاولة للحفاظ على ماء الوجه لتجنب جلسة المحكمة بشأن اعتدائه الجنسي (كما يُزعم) على منافس سياسي. وفي 18 تموز، حاول دوستم العودة إلى أفغانستان مروراً بكابول، ولكن الطائرة التي تحمله أجبرته على العودة، ومن المرجح أن يؤدي هذا الحادث إلى مزيد من الضغط على العلاقات.

ويبدو أن الرجال الثلاثة الأقوياء لديهم نية في الحصول على نسبة أكبر من المناصب الحكومية أكثر من رغبتهم في تحقيق مزيد من المساءلة أو الالتزام بحقوق الإنسان، وهنا تكمن المشكلة؛ إذ يدعو هؤلاء الثلاثة إلى كيانهم الجديد “التحالف من أجل إنقاذ أفغانستان”، ولكن جميعهم لديهم سجلات طويلة في انتهاك حقوق الإنسان والفساد، وفي أفغانستان لا يزال نظم المحسوبية يتمتع بسيطرة راسخة على الحكومة؛ إذ إن بإمكان الذين يمارسون السلطة إنهاء الوظائف والعقود، فقد تركت انتخابات عام 2014 المتنازع عليها العديد من رجال الأمن القدماء، الذين سيطروا على المؤسسات الأمنية بعد عام 2001. وفي الخارج أضرت الخصومات الحزبية على هذه التعيينات على الحكومة، وفي الوقت نفسه -وعلى الرغم من الوعود الكبيرة التي قطعها غني للحد من الفساد- اتهم الدبلوماسيون والمحللون أعضاء الدائرة الداخلية للرئيس بالمحسوبية وابتزاز الأموال.

ويأمل كثير من الأفغان في أن يقلل التزام القوات الأميركية الجديدة والخطوات التي يحتمل أن تكون أكثر صرامة تجاه باكستان من مكاسب طالبان، ولكن ما لم تؤيد واشنطن الإصلاحات الرامية إلى تحسين الحكم فلن يكون هناك أي أمل، ويعمل الضغط الدبلوماسي على غني على التوصل إلى اتفاق مع خصومه السياسيين؛ الأمر الذي قد يقلل من حدة التوترات مؤقتاً، ولكنه سيزيد من هدم شرعية الحكومة، وكانت الإصلاحات قصيرة الأجل هي مصدر أذى للتدخل الذي تقوده الولايات المتحدة في أفغانستان؛ إذ لا تستطيع حل المشكلة الأساسية للحكومة الأفغانية، فمنذ عام 2001 أدى فشل الاحترام الراسخ لسيادة القانون على نحو كافٍ داخل المحاكم والجيش والشرطة وغيرها من المؤسسات إلى تقويض جميع الجهود الرامية إلى تحقيق السلام والاستقرار المستدامين في أفغانستان، وإن ارتفاع أعداد القتلى باستمرار هو شهادة على الثمن الذي دفعه الأفغان.


 

المصدر

https://www.foreignaffairs.com/articles/afghanistan/2017-07-24/afghanistans-deadly-identity-politics