ديفيد روس، توماس جاسلن

بعد كلمة بثت لزعيم جبهة النصرة سابقاً وتنظيم فتح الشام حالياً أبي محمد الجولاني في 28 تموز/يوليو 2016 الذي أكد فيها فك الارتباط بالقوى الخارجية وتغيير اسم جبهة النصرة والابتعاد اسمياً عن تنظيم القاعدة، وبقراءة متأنية لخطابه تكشف أنه لم يتحدث عن فك ارتباط كامل مع الحركة الأم، وهي نفسها التي سارعت بتقديم قراءتها الخاصة عن الخطاب الذي لم يكن دعوة لفك العلاقة، وتغيير الاسم لا يؤشر لتحوّل حقيقي في مسار الحركة، بل له علاقة باستراتيجية القاعدة التي حاولت التعمية على دورها في الحرب السورية.

لقد رأت قيادة التنظيم الأم أن الإطاحة بالأسد وبناء نظام إسلامي بديل له يحتاج إلى صبر وتأن، ففي السنوات الأولى من الحرب قامت بزرع قيادات داخل النصرة وبقية الحركات المقاتلة من دون الإعلان عن دور رسمي؛ لأن مجرد الحديث علناً عن وجود في سوريا يعني عدم القدرة على النمو، وعطل ظهور أبي بكر البغدادي خطط أيمن الظواهري وقادته، ومع ذلك نجح الجولاني في تأكيد صورة عن تنظيمه كجماعة سورية لا علاقة لها بتنظيم البغدادي، واستطاعت جبهة النصرة بناء قاعدة دعم شعبي لأنها قاتلت نظام الأسد؛ مما وُلّدت خلافاً بين البغدادي والجولاني اندلع في نيسان/إبريل 2013؛ بسبب محاولات البغدادي إلغاء النصرة وضمها في كيانه الذي صار يعرف بتنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا، ورفض الجولاني الأمر وأعلن -كما هو معروف- ولاءه للقاعدة الأم التي ردت وأرسلت قيادتها البارزة للمساعدة في إدارة التنظيم ومنهم أبو فراس السوري.

وفي النقاشات التي حصلت والمراسلات بدا من تدخل الظواهري لاحقاً حينما دعا البغدادي إلى الاكتفاء بقيادة الفرع العراقي والتأكيد على استقلالية الفرع السوري نوعاً من التوبيخ لأخير، وعدم الرضى عن الجولاني الذي كشف عن خطط القاعدة في سوريا، وأدى الخلاف إلى تنافس كبير واقتتال بين الفرع السوري وتنظيم البغدادي، ووجدت القاعدة نفسها أمام تحدي العمل تحت الضوء بعد انكشاف الخطط السرية حول الوجود الهادئ، وعليه حاولت القاعدة إبعاد نفسها عن النصرة، وعلى الرغم من أنها لا تتوقع شطب الولايات المتحدة لـجبهة النصرة من قائمة الجماعات الإرهابية إلا أن تغيير الاسم يعدُّ محاولة لتجريد الولايات المتحدة من مبرر ضرب الجماعة.

إن هناك ضرورة للكشف عن استراتيجية القاعدة ولن يحصل هذا، ولاسيما أن ردَّ الولايات المتحدة اتسم بالبطء على تهديد القاعدة أو فهم نواياها؛ ففي الماضي تجاهلت تحركات القاعدة لاعتقادها أن هذا التنظيم يقترب من الهزيمة. وهناك مخاطر من أن يؤدي هذا الموقف إلى بناء جبهة فتح الشام قوة لها في سوريا والحصول على دعم خارجي.

إن المعركة على حلب تحمل في ثناياها تهديداً كبيراً للولايات المتحدة، فالمعركة المستمرة على ثاني المدن السورية أدت إلى الوحدة بين فصيلين بارزين من فصائل المعارضة السورية هدفهما النهائي هزيمة نظام بشار الأسد، وما يجمعهما هو عدم حصولهما على دعم مهم من الولايات المتحدة في الجهد المشترك الذي قاما به لفك الحصار عن المناطق التي تسيطر عليها المعارضة، والجهود المشتركة لحماية المدنيين من القصف العشوائي -الذي تقوم به طائرات نظام الأسد والطيران الروسي وبعض الفصائل المقاتلة على الارض التي تساعد على تشديد الحصار- قد تنجح؛ والسؤال الأهم هو: هل سمح حصار مدينة حلب الذي فكته المعارضة السورية بعودة العدو الألد إلى الولايات المتحدة؟ وهل تغيير جبهة النصرة اسمها لجبهة فتح الشام لا يغيّر من حقيقتها كفرع للقاعدة في سوريا؟

إن عدم تحرك الولايات المتحدة قد يفتح الطريق أمام دولة إسلامية جديدة في سوريا؛ والسبب هو أن تنظيم القاعدة قام بملء الفراغ الذي حصل بسبب غياب أمريكا عن الساحة، وتقوم القاعدة الصاعدة من جديد باستغلال النقاط التي تجاهلتها أمريكا وتعمل على بناء طليعة دعم شعبي لها تكون قادرة على إدارة التحوّل في المجتمعات التي طرد منها تنظيم داعش، وتُعدُّ سوريا مركز نشاطات القاعدة؛ وعليه فليس أمام الولايات المتحدة إلا إعادة تكييف استراتيجيتها في سوريا والتركيز على التهديد المقبل من تنظيم القاعدة وفرعه هناك، فحضور القاعدة في سوريا لم يكن مقتصراً على الفرع الرسمي له، أي: جبهة النصرة، فبعد اندلاع الحرب الأهلية عام 2011 قامت بإرسال عدد كبير من قادتها البارزين والمخططين الاستراتيجيين للإشراف على طليعة في داخل الحركة الثورية السورية، وأطلقت الولايات المتحدة على هؤلاء الناشطين اسم مجموعة خراسان التي لم تقدم النصح لقيادة جبهة النصرة بل ولقادة الفصائل السورية الأخرى، وتهدف القاعدة إلى بناء جماعات متعاطفة مع مبادئها وفي الوقت نفسه تجذير فرعها الرسمي وتطبيعه في الحياة السورية.

وتتطلع القاعدة إلى تشكيل حاجز ضد أي تدخل أمريكي يدمر كل شبكتها، فحضورها في أكثر من جماعة يمنع من حدوث هذا السيناريو، وتضم الفصائل السورية اليوم جماعات تتعامل معها الولايات المتحدة فضلاً عن جبهة فتح الشام -الاسم الجديد لجبهة النصرة- وأحرار الشام، وتتعاون كلها في إطار جيش الفتح أو جيش حلب، فحركة أحرار الشام تجسد الطريقة التي قام فيها تنظيم القاعدة ببناء جيوب تعاطف معه داخل الثورة السورية.

أحرار الشام هي “عقدة” في شبكة القاعدة وقد حصلت على اعتراف كونها من التيار الرئيس لحركات المعارضة السورية، وتعدُّ أكبر حركة تحظى بدعم ورعاية تنظيم القاعدة بعد جبهة فتح الشام، ومن الخطأ القول إن إحرار الشام لم تستوعب في فكرها كل مبادئ تنظيم القاعدة، وما يفترضه عدد من المسؤولين الأمريكيين أنه يمكن فصلها عن القاعدة وبالتالي دمجها في سوريا المستقبل، وأنها مستقلة عن تنظيم القاعدة، وأن هذه لا تتدخل في البعد العملياتي لها؛ ولهذا يمكن التعامل معها بطريقة منفصلة عن تنظيم القاعدة، فهذه الكهنات مجرد أضغاث أحلام؛ لأن المنظّر الرئيس لأحرار الشام هو أبو خالد السوري، المحارب الذي شارك في الجهاد الأفغاني ضد السوفييت في ثمانينيات القرن الماضي، وتتلمذ على منظّر السلفية الجهادية أبي مصعب السوري الذي أكد على أهمية تسامح القاعدة مع عدد من اللاعبين داخل المجتمع السوري، ولم ينته تأثير القاعدة على أحرار الشام بمقتله عام 2014 فقد تولى المهمة بعده رفاعي طه وعمل كمسؤول تنسيق بين أحرار الشام وجبهة النصرة.

إن نشاط أحرار الشام يعبر عن صورة محلية لأيديولوجية عابرة للحدود، ويبدو تأثير القاعدة واضحاً في محاولة أحرار الشام تغييرَ الهوية الدينية للسوريين، وتدير الحركة سلسلة من محاكم الشريعة في أنحاء إدلب وتعمل بالتوازي مع جبهة النصرة التي تفرض الحجاب على النساء وتقيد حرية التعبير.

إن هدف حركة أحرار الشام هو الإطاحة بنظام بشار الأسد واستبداله بدولة دينية، وهو تحول أساسي عن المطالب التي دعا إليها المتظاهرون أولاً في عام 2011 وهي الشروع بإصلاحات ديمقراطية، ومع ذلك تتعامل المعارضة السورية مع الحركة بِعدِّها جزءاً من التيار الرئيس؛ نظراً للمساهمة الكبيرة في مواجهة تنظيم بشار الأسد، مع أنها تعمل على تقوية جبهة فتح الشام، وتقوم بتهئية الظروف لانتصار الأخيرة.

وبهذه الأدوار تكون حركة أحرار الشام صلة الوصل السورية مع الحركة الجهادية السلفية العالمية، فهي ترى نفسها جزءاً من هذه الحركة وتعدُ ما تقوم به في سوريا استمراراً للجهاد الذي بدأه زعيم طالبان الملا محمد عمر، وكما جبهة النصرة تستقبل أحرار الشام مقاتلين أجانب في صفوفها وظهرت بشكل بارز في الدعاية التي تبثها جبهة النصرة التي تدعو المسلمين للهجرة إلى سوريا، وتدعم أحرار الشام أهداف القاعدة في توجيه ضربات للغرب ولذا قامت الولايات المتحدة عام 2014 بعملية جوية على مواقع للنصرة وأحرار الشام في إدلب، وقال وزير العدل الأمريكي في حينها إريك هولدر إنها استهدفت خلية كانت في مرحلة التنفيذ، وبحسب هذا الافتراض فإن الولايات المتحدة رصدت معلومات أمنية ربطت بين النصرة وأحرار الشام، فوجود الناشطين الذين قالت واشنطن إنهم من مجموعة خراسان في موقع يعود لأحرار الشام يعني أن القاعدة كانت واثقة من تعاون التنظيم مع أن أفرادها لا يدعمون العمليات العسكرية.

إن الدور المهم الذي أدته حركة أحرار الشام في فك الحصار عن أكثر من 250.000 مدني في حلب قوّى من مكانتها في قلوب السكان المدنيين في الأحياء الشرقية من المدينة المحاصرة، ويرى البعض أن الحركة ستواصل بناء قاعدة دعم لها وتعميق تعاونها مع حركات المعارضة الأخرى، فضلاً عن توفير الدعم للمدنيين، وستكون في موقع مناسب لزيادة تأثيرها على إدارة مناطق المعارضة بالتعاون مع جبهة فتح الشام التي تستفيد من فك الحصار.

وفي الوقت نفسه تحاول تركيا موضعةَ نفسِها في شمال سوريا كقوة رئيسة، وستحاول مواجهة الأكراد وقوات سوريا الديمقراطية؛ وبهذا تستفيد أحرار الشام من الحملة التركية وشاركت في العملية القريبة من الفرات، إلا أنها لم تعلن عن دورها حيث ساعد الطيران الأمريكي في البداية على تحفيز تركيا للمشاركة في العملية.

إن أمريكا ستخسر الحرب ضد المتطرفين طالما سمحت لـجبهة فتح الشام وأحرار الشام بالظهور بمظهر المنتصر في حلب؛ لأن أحرار الشام هي جزء من استراتيجية القاعدة في سوريا، وتشترك في أهداف القاعدة حول الجهاد العالمي، وتعمل من خلال مدخلها البراغماتي على توسيع أهداف القاعدة وبناء جيب آمن لها في الشام، ويجب على الولايات المتحدة تقديم البديل للمدنيين والجماعات المسلحة المعارضة عن شبكة القاعدة في سوريا، وعليها أيضاً العمل على منع نشوء شكل من الإدارة القائمة على الشريعة في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة السورية، وفي حال رفضت حركة أحرار الشام فك ارتباطها مع القاعدة وشبكتها السورية فيجب أن تكون هدفاً وتهديداً متساوياً كبقية الجماعات الإرهابية الأخرى، وأن إقامة تحالف مع روسيا أو النظام لن يؤدي إلا إلى زيادة انتصارات القاعدة.


ديفيد روس، زميل أقدم في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطياتFDD) ) والرئيس التنفيذي لشركة الاستشارات العالمية فالنس.

توماس جاسلن، زميل أقدم في قوات الدفاع عن الديمقراطية ومحرر أول في مجلة الحرب الطويلة.


ملاحظة :
هذه الترجمة طبقاً للمقال الأصلي الموجود في المصدر ادناه ، والمركز غير مسؤول عن المحتوى ، بما فيها المسميات والمصطلحات المذكوره في المتن .

:المصادر

Al Qaeda Is Gaining Strength in Syria

Rebranding Terror